• Admin

أوجست كونت

Updated: Oct 26, 2019

المقدمة:

في تقريري هذا سأسلط الأضواءعلى أحد أهم مؤسس علم الاجتماع الحديث (أوجست كونت) و التي تعتبر أسهاماته نقطة تحول في تاريخ الفكر السوسيولوجي , و سأتطرق في تقريري هذا :

نشأة اوجست كونت , علم الأجتماع و الفلسفة الوضعية , المجتمع و تناوله من حيث حالتي الثابت و المتحول , و نظرة كونت للمجتمع ,

المراحل الثلاث للمجتمع الانساني لدى كونت ..الخ.



أوجست كونت و نشأته

فيلسوف فرنسي من رجال القرن التاسع عشر , ولد في 19 يناير عام 1798 في مدينة مونبليه بجنوب فرنسا من أسرة متوسطة الحال , كاثولوكية شديدة التدين مما جعله فيما بعد ينشد تحقيق الدينية , أو ما أطلق عليه أسم الديانة الأنسانية , و تدين بالنزعة الملكية و كان موهوبا قي العلوم الرياضية ,فالتحق بمدرسة الهندسة في بباريس , كما كان ميالا للاطلاع على الكتب الفلسفية , ثم درس في معهد البوليتكنيك الذي أشتهر باهتمام العاملين فه بالعلوم الطبيعية و الرياضيات , و رغم هذه الخلفية العلمية فقد تبلور لدى كونت اهتمام بالمجتمع و الحياة الاجتماعية . عمل خلال دراسته و بعدها سكرتيرا لسان سيمون ,الذي كفله ماليا , و اشترك معه في أنتاج أعمال ,أهمها محاولة وضع خطة لإصلاح المجتمع و إعادة تنظيمه على أسس علمية قاعدتها الفلسفى الوضعية.


واجه كونت بعد أنفصاله عن سان سيمون مشكلات مالية و نفسية و عاطفية . فقد مر بتجارب عاطفية أخلت بتوازنه النفسي . لقد أدت هذه المشكلات و زيادة الأعتداء بالنفس إلى قوله بالمحافظة على صحته الذهنية بعدم القراءة للآخرين ليجنب نفسه التلوث العقلي . و قد شعر خلال هذه المرحلة المتأخرة من عمره أنه جاء ليلعب دور الرسول الإصلاحي , فربط هذا التصور بالنداء إلى ديانة عالمية للإنسانية عامة .


إضافة إلى هذه الظروف الخاصة , تأثر فكر كونت بالظروف الفكرية و الموضوعية لعصره . فقد شهدت أوربا تغيرات جذرية , و تحولات سياسية تركت أنواعا من اللانظام , علاوة على تغير شرعية السلطة , و تحولات أقتصادية استبدلت فيها مركزية القطاع الزراعي بالقطاعين الصناعي و التجاري و المالي , و أهم من ذلك تحولات من النظام الإقطاعي إلى نظام رأسمالي . شهد القرن الثاني عشر في أوربا تركيزا على أفتراض العقلانية , عقلانية الإنسان , و قاعدة عقلانية تحكم تشكل البيئة و تطورها التقدمي .

لقد أدت هذه المعتقدات إلى أعتبار الواقع أساسا للمعرفة و أن الإنسان منتجها , مما أدى إلى الاعتقاد بإمكانية بناء معرفة موضوعية , سواء في الجوانب الطبيعية أو الأجتماعية . لقد أدت هذه المعتقدات , و خاصة في فرنسا إلى أفتراض واقع اجتماعي موضوعي مماثل للواقع الطبيعي , تحكم نشكله و تطوره و قوانين يمكن اكتشافها علميا , و توظيف نتائج هذه المعرفة في ترشيد و إصلاح الواقع و تنظيمه .

في الوقت نفسه نمت معتقدات تفترض وحدة المجتمع الإنساني ,الأمر الذي ترتب عليه أفتراض وحدة طبيعة الإنسان , و أن الفوق الظاهرة ماهي إلا نتائج للتباين في المراحل التطورية التي تمر بها المجتمعات مع اعتقاد بأن التطور الذي تضمن فكرة التقدم سينتهي بكل المجتمعات الإنسانية إلى ما تمثله المجتمعات الإنسانية إلى ما تمثله المجتمعات الأوربية الصناعية .


هذه التحولات التاريخية , بما حملته من أزمات معفية و موضوعية , و ما أرتبط بها من مشكلات و حالات من اللانظام , تشكل الظروف التي يمكن أن تساعد في فهم تبلور الفكر في القرن الثامن عشر و بدايات القرت التاسع عشر , بما في هذا أفكار كونت و من سبقوه و تأثر كونت في نظرياته بمجموعة من الفلاسفة و المفكرين السابقين و المعاصرين له . فعن ارسطوا اخد فكرة التنظيم الاجتماعي ,و توزيع الوظائف . و تأثر بكانط وجال في تصورها

.

فقد ركز بعض المفكرين في فرنسا خاصةعلى وحدة المجتمع الإنساني و طبيعة الإنسان , مفترضين أن المسيرة التاريخية للإنسان تمثل مراحل تتضمن التقدم . فقد تناول جاك تيرجو تاريخ الإنسانية من خلال افتراض التقدم , و جعله من خلال علاقة الأنسان بالبيئة في مراحل ثلاث , و ذلك بناء على النمط الفكري السائد في كل مرحلة.


تضمنت المراحل

1- المرحلة الأولى التي كان يفسر الإنسان الظاهرات بافتراض قوى غير مرئية وراءها.

2- المرحلة الثانية وسادها فكر تجريدي حول قضايا مجردة مثل جوهر الأشياء.

المرحلة الثالثة و التي سادها فكر يقوم على أساس الواقع كما هو في الوجود.


اعتبر كوندرسيه أن المسيرة الترسخية للإنسان تمثل تقدما مرحليا , و على هذا الأساس محكومة بقوانين ثابتة , كما هو الحال في الجوانب الطبيعية , و على هذا الأساس تنبأ بإمكانية ظهور علم اجتماع يدرس عمليات التقدم , و يمكن أن توظف نتائجه في التنبؤ بالمستقبل .


من أهم من مهد لأفكار كونت , و شاركه بعض الأعمال سان سيمون (1825-1750 ) لقد كان لهذا أثره الواضح في الحياة الفكرية في فرنسا لدرجة أنه نشأ حركة فكرية باسمه . كانت غاية سان سيمون إعادة تنظيم أوربا على قاعدة علمية صناعية . فكر بضرورة وجود علم جديد موضوعه الأنسان في نظره جزء من الطبيع في دراسته و مجتمعه , تقوم النتائج فيه على أساس الوقائع التي يمكن ملاحظتها و اختبارها.


يرى سان سيمون أن دراسة المجتمع يمكن تجمع بين جانبين , يغطي الجانب الأول تاريخيا مراحل تطور المجتمع , بينما يركز الجانب الثاني على الجانب البنائي العلائقي بين أجزاء المجتمع في فترة محددة . و قد توصل مع كونت إلى أن تطور النمط الفكري يمثل عملية التقدم .


تبنى سان سيمون أن الفلسفة الوضعية , و على ها الأساس افترض أن المجتمع حقيقة موضوعية قائمة بذاتها, و يمكن دراس المجتمع كما تدرس الظاهرات الطبيعية الأخرى . و قد تضمنت نظريته الإصلاحية منطلقا ليبراليا اشتراكيا , توظف المعرفة العلمية في عملية الإصلاح و إعادة التنظيم .


فالتقدم يعتمد على العلم و توظيفه , الجادون النشطون يكافئون حسب جهودهم , و توزع الثروات حسب جهد الإنسان و نشاطه . ينحصر دور الدولة في حماية التنظيمات الصناعية , و مع الزمن تختفي الحدود القومية ليحل مكانها مجتمع عالمي , تسوده ديانة إنسانية موحدة .

هذه الأفكار , و ما نتج من أزمات نتيجة التغيرات الموضوعية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية , ساهمت جميعا في تشكيل أفكار أوجست كونت, بما في هذا تبنيه للفلسفة الوضعية , و ضرورة قيام علم اجتماع , و معالجة حالة اللانظام .

شهد كونت موت عصره و مرحلة , و بزوغ مرحلة جديدة , الأول تمثله العصور الوسطى و حتى نهاية الإقطاع ,يسوده الفكر الديني و العسكرية , و الثاني تسوده المعرفة العلمية و الصناعة , استبدلت فيه القاعدة الدينية للاخلاق بالقاعدة العلمية , كما استبدل النشاط العسكري من حيث الأهمية, بمحاولات استغل الموارد الطبيعية التي حولت الأهمية لجانب الاقتصادي الصناعي .


يمكننا بعد هذا التمهيد تناول أفكار كونت على النحو التالي :

-1 علم الاجتماع و الفلسفة الوضعية و العلوم.

2- المجتمع و تناوله من حيث حالتي الثبات و المتحول

علم الاجتماع الفلسفة الوضعية و العلوم


كان أوجست كونت من أوائل الأوربيين الذين حاولوا بناء نسق معرفي خاص بالمجتمع , أطلق عليه في البداية , لما كان للعلوم الطبيعية من مكانة , الفيزياء الاجتماعية , و ذلك أيضا على أنه تمثله مرحلة تطورية للمعرفة العلمية . لكنه تراجع عن هذا المسمى عندما استخدمه لابليه للدلالة على مجرد بيانات إحصائية عن العمال , فأطلق عليه من جديد

.Sociology و التي أصبحت بالانجليزية Sociologie

و قد تم اشتقاق المصطلح من اللغتين اليونانية و اللاتينية .لاتينه معناها الجماعة أو المجتمع .

. Societas

كلمة يونانية معناها العلم , و بهذا يصبح المعنى علم الجماعة أو المجتمع LUGOS

موضوع هذا العلم المجتمع الإنساني , تطوره و بناؤه , يهتم هذا العلم في بحثه التاريخي للتطور بدراسة العقل الإنساني و و أنماط الفكر ضمن مراحلها التاريخية , بينما يركز في حالة ضبط العامل الزمني على دراسة البنية العلائقية لأجزاء الوحدة الاجتماعية و في الوقت نفسه دراسة ما يترتب على تطور العقل من بناءات و نظم و أفعال .

يقوم هذا العلم على منهجية موضوعية تتضمن الملاحظة و التجربة و المقارنة و المنهج التاريخي , هدفه فهم الإنسان و مجتمعه , و بهذا فعالم الاجتماع هو الذي ينير عقول الناس و يغذي الروح , يتعالى عن الفكر اللاهوتي , و تقاليد الإقطاع , بتحقيق الفكر العلمي الوضعي و الروح الإيجابية , و يشكل بهذا القاعدة الجديدة للمعتقدات

آمن كونت بترابط و تسلسل العلوم , تبدأ بالرياضيات كقاعدة تجريدية تخدم أنواع العلوم , و تمر في تطورها بأنواع العلوم الطبيعية لتنتهي إلى علم الأجتماع الشامل , الذي يمثل في نظره قمة التسلسل العلمي . فقد رأى مع سان سيمون أن لدينا الآن فيزياء سماوية , و فيزياء أرضية : ميكانيكة و كيماوية و فيزياء نباتية , و أخرى حيوانية , وما زلنا بحاجة إلى نوع آخر

و أخير من الفيزياء , هي الفيزياء الاجتماعية ,حتى يتبين و يكتمل نسقنا المعرفي عن الطبيعة الثابتة

و يرى سان سيمون و كونت أن هدف هذا العلم (اكتشاف سلسلة التحولات الثابتة و المتتابعة للنوع الأنساني الذي بدأ من مستوى لا يرقى عن مجتمعات القردة العليا , و تحول تدريجيا إلى حيث يجد الأوربيون المتحضرون انفسهم اليوم.


يميز كونت بين العلوم الوصفية و العلوم التركيبية التحليلة , التي تهدف الى بناء معرفة نظرية و يرى ضرورة ارتباط الدراسات الأمبريقية بالنظرية , إذ يشكل الإطار التظري المنطلق التصويري لتناول الأجزاء في أطار علائقي بالوحدة الكلية.

يقوم علم الاجتماع على منهجية مماثلة , لما هو معمول به في العلوم الطبيعية ,تتضمن الملاحظة و التجربة و المقارنة و البعد التاريخي . و حت تكون الملاحظة دقيقة لا بد أن توجه بالنظرية , فلا يمكن ملاحظة أية ظاهرة بدقة إلا إذا وجهت أولا بنظرية , ثم يتم تفسيرها أيضا على هذا الأساس ..فأي ملاحظة في معزل عنهذا غير دقيقة ..فالعلم يمكن أن يستخدم فقط الملاحظات المرتبطة بافتراضات مرتبطة بقانون.


يرى كونت أنه رغم أهمية التجربة ,فإنه يصعب تحقيقها بدقة في العلوم الاجتماعية , و لكنه قال بإمكانية اعتماد حالات المرض الاجتماعي كأساس للتجارب . جعل كنت من المنهج المقارن و البعد التاريخي ركائز منهجية في دراسة مراحل التطور, و مقارنة الحالات الاجتماعية , مما يمكن أن يساعد في معرفة خصائص كل مرحلة و أسباب تطورها.


الفلسفة الوضعية:

رأى كونت أن الفكر الوضعي في الرياضيات و الفيزياء و غير هذه من العلوم الطبيعية قد اتخذت وضعا عالميا, إذ يتبنى جميع الناس ما يتم التوصل إليه من نتائج في هذه العلوم . و بهذا لا بد أن يتصق علم الاجتماع بنفس الخصائص , خاصة و أنه يمثل في نظر كونت قمة التسلسل العلمي .


أقتضت العلمية في علم الأجتماع . قياسا على نموذج العلوم الطبيعية , تعريف موضوع هذا العلم بما يسمح من بناء علم على أساس افتراض واقع اجتماعي له حقيقة موضوعية ووجودا مستقلا يمكن ملاحظته ,و دراسته من خلال مكوناته و ما بينها من علاقات . تبنى معظم المفكرين الفرنسيين مثل هذا التوجه ,الذي أدى إلى ترسيخ الفلسفة الوضعية.


كان كونت من أكثر المتحمسين للفلسفة الوضعية التي حصرت المعرفة في ما يمكن ملاحظته , و قد حمل هذا التوجه مع ارتباطه بالعقلانية الاعتقاد بإمكانات توظيف المعرفة في هيمنة الإنسان على بيئته الطبيعية و الاجتماعية . و بهذا أصبح ينظر إلى المعرفة العلمية كالوسيلة الأهم في إعادة تنظيم المجتمع من ناحية , و كمقياس للتقدم و تحقيقه من ناحية أخرى .

مقابل هذا التراث الفرنسي في معظمه , أنتشر في ألمانيا ما أطلق عليه المثالية , و التي تؤكد أن حقيقة الجتمع حقيقة عقلية تتمثل في ما يحمل الناس من تصورات و معان للواقع , مما أدى إلى اعتماد البعد الذاتي لحقيقة الواقع.


COURSE DE PHILOSPHIE POSITIVE لقد تحول في كتابه

خطاب الفلسفة الوضعية من التركيز على مجتمع بعينه إلى اعتبار المجتمع الإنساني وحدة للدراسة و التحليل .

نظرة كونت للمجتمع :

إضافة إلى تبني كونت للفلسفة الوضعية التي تفترض وجودا موضوعيا مستقلا للمجتمع و البناءات و النظم الاجتماعية , فقد أخد أيضا بالنظرة العضوية التي تفترض وحدة الكل , و ترجيح أهمية الكل على حساب الأجزاء , و أن هذه الأجزاء لا يمكن أن تفهم إلا في إطار الكل.


هذا و قد أدى انطلاقه من افتراض الوحدة الإنسانية و الطبيعة الإنسانية ,الى هذا القول بأهمية البعد التاريخي .

عمل كونت على تبريرافتراضه وحدة المجتمع الإنساني على اسس فلسفية و ذلك بالقول أنه:

-1 لا بد من طبيعة يمكن تعريفها و تحديدها في جميع الأوقات و الأماكن

2- أن كل المجتمعات تشترك في تنظيم أساسي مهما كان التباين الذي يمكن أن يظه في التنظيمات الفرعية.

3- أن طبيعة الإنسان و الطبيعة الأجتماعية تسمح بتوحيدها ومن استنباط خصائص عامة مشتركة للتطور الاجتماعي .

ينطلق كونت إذن من افتراض وحدة النوع الأنساني , ووحدة تطور التاريخ الإنساني , و أن كل المجتمعات الإنسانية ستتحول عبر مراحل محددة , لتنتهي إلى نموذج المجتمع الصناعي .


يتشكل المجتمع و ينتظم و يتوحد على قاعدة من الأفكار المشتركة , فالمجتمع يصبح ممكنا و يستمر إذا حمل أعضاؤه نفس المعتقدات و الأفكار , و بهذا تحدد كل مرحلة تاريخية بالنمط الفكري السائد و ما يرتبط بهذا النمط من نشاط سائد . فقد لاحظ كونت في التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية تحولات من مجتمعات تعتمد النشاط العسكري إلى المجتمع الصناعي تأخد بعدا عالميا نموذجه المجتمعات الأوربية في زمنه.


يشهد المجتمع الصناعي استخدام العلم في تنظيم العمل و توزيع الأدوار , و أن مثل هذا التوظيف للعلم يزيد من فرص إنتاج الثروة , كا يوذي انتشار الصنعة إلى تمركز عمالي في المصانع و حولها . و لكنه لم يهتم بم يمكن أن ينتج من تناقض بين العمال و أصحاب العمل . فقد رأى في هذا التوزيع توعا من تقسيم العمل الذي يرتبط بالتكامل و تحقيق النظام . لقد رأى بتبينه نموذجا خليطا من الليبرالية و الأشتراكية إمكانية توافق الملكية الفردية و المصلحة العامة ضمن نظام عام لتوزيع الثروة . فرغم حتمية تمركز الثروة في أيدي قلة. و بناء عليه تمركز القو في أيدي قى قيادية , إلا ان حل مشكلة تباين القوة يرتبط بالمسألة الأخلاقية , حيث يجب ان ينظر أصحاب النفوذ إلى نشاطاتهم كواجب و مسؤولية أخلاقية . فهناك إلى جانب القوة السياسية و الاقتصادية قوة روحة و نظام روحي تتدخل في تنظيم عالم الحياة , و هذا أمر ضروري لاستمرار المجتمع الصناعي . فالنظام و استمراره ترتبط بقاعدة علمية و إدارى عقلية و قاعدة ثقافية مشتركة و قاعدة روحية أخلاقية.


لمجتمع الصناعي في نظره مجتمع سلمي , لا يقوم فيه كنمط اجتماعي ,أي مجتمع على فرض سلطته على المجتمعات أخرى , إذ لا تعود الحروب مسألة وظيفة ,أما داخليا قيمثل المجتمع الصناعي مجتمع الكفاءة , حيث تصبح هذه معيا التوزيع العادل في البناء الأجتماعي .

بهذا نرى ان كونت صاحب الفلسفى الوضعية , الذي يؤمن بارتبط المعرفة بالواقع الموجود, يتخلى عن موقفه و يقترب من الطروحات اليوتوبية. لقد أدى تمسكه بالنظام و إعادة بنائه ,الى إهماله أوجه التناقض و اللامساواة في المجتمع الصناعي و الرأسمالي . فقد حمل النظام الرأسمالي الكثير من المشكلات و أوجه التناقض , و خاصة بين العمال و أصحاب العمل ,كما أدى التنافس على المواد الأولية و الأسواق إلى صرعات و حروب بين الدول . و بدل أن يلعب الجانب الروحي دورا توافقيا , فقد أصبح مثار نزاعات داخلية, و تم توظيفه من قبل أصحاب النفوذ في إعادة إنتاج الواقع , و تزييف وعي الجماهير . لقد أستخدم الدين من قبل مالكي القوة في تبرير الواقع الذي يضمن تحقيق مصالحهم على حساب الطبقة العاملة,كما أستغل في تبرير الأستعمار و نهب و استبعاد المجتمعت الاخرى

الثابت و المتغير:

رأى كونت أن علم يمكن أن يهتم , أولا بحالة الثبات في المجتمع , ثانيا باعتبار الوحدة الإنسانية بالتحولات و التطورات التريخية على مستوى الإنسانية .


انطلق في بحثه للوضع الثابت في مرحلة زمنية من افتراض حالة التوافق و التي تقوم على أساس تحقيق نمط فكري مشترك , و عقلية موحدة. يمثل المجتمع , في حالة ضبط الامل الزمني , وحدة متكاملة كما هو الحال في الكائن العضوي , يشمل بناءات و نظم متكاملة تؤذي إلى حالة من النظام و التوافق , يدرس علم الاجتماع الستاتيكي في هذه الحالة البنية الاجتماعية كما هي في الواقع.

يفترض كونت أن التماثل الفكري و العقلي , مع افتراض طبيعة إنسانية واحدة من الضرورات الأساسية لقيام المجتمع و استمراره . تساعد الجماعات الوسيطة , و خاصة الأسرة و المؤسسات التعليمية و الإعلامية على بناء قاعدة ثقافية عقلية موحدة, و يتوافق فيها الفرد مع الجماعات و المجتمع , مما

يؤدي إلى حالة من التوافق و التماسك الاجتماعي .


تلعب النظم الاجتماعية دورها في بناء حالة التوافق , فالنظام الديني يؤدي وظيفة تكاملية , و بهذا يعتبر عاملا موحدا, تشمل وظيفته توحيد الجوانب العقلية و العقائدية و الوجدانية , التي توازي النزعات و الخصائص في الطبيعة الإنسانية. و في تناوله الأسرة كجماعة و كنظام أجتماعي . يركز على عملية التنشئة , و يرى أن العلاقات الأسرية تمثل ما يمكن ان يكون من علاقات بين الناس عامة, تشمل علاقات مساواة بين الأخوة , و علاقات وقار و احترام بين الأبناء و الوالدين , و علاقة سلطة معقدة , تتضمن طاعة المرأة للرجل , فالزوج يملك السلطة لتفوقه في الذكاء , يقابلها قوة المرأة الروحية و هي أكثر نبلا .


يلاحظ أن كثيرا من هذه الأفتراضات غير صحيحة , فالعلاقات الأسرية تحكمها ثقافة المجتمع , و هذه تختلف من مجتمع لآخر , فبعض المشكلة لدى كونت تنبع من عدم أخده بالتباين بين الجماعات , و المجتمعات كما أن بعض افتراضاته كالقول بالتفوق في الذكاء للرجل غير صحيحة , فاساس سلطة الرجل مسألة ثقافية , و في الأدوار التي يقوم بها و ما ارتبط بها من تقييم .


من أوجه تكامل المجتمع الأخرى تقسيم العمل , إذ يعتقد كونت أن توزيع الأدوار يقوم على أساس الكفاءة , و هو ذاته ضرورة بنائية وظيفية.


في تناوله للتطور الاجتماعي بما اسماه علم الاجتماع الديناميكي , ينطلف كونت من افتراض وحدة النوع الأنساني , طبيعة إنسانية واحدة , و تاريخ واحد يتضمن في مساره التقدم .


عملية التطور هذه تتضمن جانبين متداخلين , يمثل التطور العقلي و أنماط الفكر الجانب الأول , بينما تمثل النشاطات الفعلية الجانب الموازي, هذا إضافة إلى تطور وجداني . و يشهد هذا التطور الوجداني تحولا تدريجي للميول الإيثاريى و لكن دون التخلي الكلي عن الميول الأنانية.


يعتقد كونت أن المجتمع الإنساني مر متقدما بمراحل ثلاثة هي :المرحلة الأسطورية و المرحلة الميتافيزيقية ثم أخيرا يصل إلى المرحلة الوضعية.


تمثل المرحلة الأسطورية , و تشمل أيضا الفكر الاهوتي الغيبي , نمطا فمريا يقوم على تفسير الظاهرات لقوى غيبية خارجة عن الظاهرة. مثال هذا تفسير المصريين القدماء فيضان النيل بإرادة الأله. و على هذا كانت الستجابة تقديم القرابيين لإرضاء الإله.

تمثل المرحلة الميتافيزيقية بعدا ذاتيا تعتمد فيه المعرفة على الحدس و التأمل , و مثل هذه المعرفة تقوم على تصوراتنا للواقع , و ليس على اساس الواقع الامبريقي كما هو. لقد ظهر في هذا النوع أهمية المنطق بين المقولات كضرورة التناسق المنطقي بين ما نفترض من مسلمات و ما نتوصل على أساسها من نتائج , و بهذا تضمن هذا النوع أهمية البرهان العقلي المنطقي .مثل هذه المعرفة التي سادت الفكر اليوناني في القديم قد تكون صحيحة في علاقتها بالواقع و قد ل تكون , و بهذا يصبح من الضروري التحقق من صحتها بردها إلى مضمونها الامبريقي.


أخبرا تمثل المرحلة الوضعية المعرفة العلمية التي يتم بناؤها على أساس الواقع كما هو موجود . ورغم أن هذا النموذج لا يمثل إلا جانبا من بناء المعرفة العلمية التي تفترض واقعا موضوعيا مستقلا عن تصوراتنا يمكن ملاحظته , إلا أنها جعلت الواقع , مهما كان تعريضه, أساس المعرفة , و أن الإنسان منتجها , و قد خلصته من سلطة الموروث , لقد أنطوى هذا النمط المعرفي على أفتراض قدرة الإنسان على الهيمنة على البيئة.


لقد أدى افتراض الوحدة الأنسانية , و طبيعة الإنسان الى افتراض عالمية هذه المراحل و حتميتها, و هو أمر يتجاوز فيه كونت التباين بين المجتمعات و تباين ظروفها التاريخية . ثم بتركيزه على النمط الفكري في التطور أهمل العوامل الاقتصادية و السياسية الى حد ما , رغم أنه تناول التغيرات في البناء الاجتماعي , و التغير من حيث النشاط الأهم في المراحل التايخية.


نتيجة لنظرة العضوية رأى كونت أن عملية التطور في المجتمع سادت كما كان الحال في تطور الأنواع من البسيط إلى المركب , و خاصة في تقسيم العمل , حيث يتضمن التطور أدوارا جديدة, و تخصصا وظيفا. أما من حيث النشاط الأهم و السائد . فقد تضمنت عملية التطور تحولا من النشاط العسكري الى النشاط الاقتصادي . كان النشاط العسكري هو الأهم حتى نهاية الإقطاع, تحول مع ظهور النظام الرأسمالي من حيث الأهمية الى النشاط الصناعي الاقتصادي –ربط كونت هذه التحولات بالتغير في النسق المعرفي ,حيث ارتبط التطور الصناعي بتطور المعرفة الوضعية و بهذا رأى أن :

-1 الصناعة تمثل تنظيما علميا للعمل , بدل الاعتماد على التقليد و ذلك لتعظيم الإنتاج.

2- نتيجة تطبيق العلم و توظيفه في تنظيم العمل , استطاع الإنسان تطوير ثروته و التحكم في الموارد.

3- أدى تطوير الصناعة إلى مجتمع العمال. و ظهور التجمعات العمالية

رغم هذا أهمل كونت ما تحمله هذه التجمعات من إمكانات ظهور التوتر و التناقض بين العمال و أصحاب العمل , كما أهمل أن زيادة الثروة ,نتيجة تطبيق الأساليب العلمية , يمكن أن تؤدي إلى تكديس الثروة في أيدي قلة مقابل ظهور طبقة فقيرة من العاملين . فقد أدى النظام الرأسمالي القائم على السوق الحر , الى سعي المالكين إلى تضخيم أرباحهم على حساب العمال, لكن اعتقاد كونت بالنظام و التوافق جعله يقول بضوابط أخلاقية تضمن النظام و حالة التوافق .لقد رأى أن نظاما يجمع بين الليبرالية الاشتراكية يمكن أن يحل مسألة التناقض و تجاوز احتمالات الصراع .


اعتقد كونت أن التقدم المعرفي و العلمي سيصبح القاعدة الأساسية للتقدم, يرتبط به و يوازيه تقدما أخلاقيا يكرس التوافق و النظام في المجتمع, و أن المجتمعات الإنسانية بتحقيق الجانبين ستشكل مجتمعا إتسانيا عالميا يسوده السلام و النظام .

قد يكون للمؤسسات التعليمية الحديثة دورها في التقارب الإنساني , ولكن المصالح الاقتصادية , و تفاوت القوة بين المجتمعات , وسعت من التناقض و احتمالات الصراع و الاستغلال , فقد استمرت الحروب و الصراعات , سواء على مستوى المجتمع الواحد , أو على المستوى العالمي .


رأينا أن كثيرا من افكاركونت قد جاءت لدى من سبقوه, و لكن كونت حاول جمع هذه الأفكار في نسق معرفي , تناول فيه معظم العلاقات الاجتماعية في حالة الثبات الزمني , بينما ركز في الجانب الثاني على تفسير التغير الاجتماعي , معتبرا تطور الأنماط الفكرية أساس عملية التقدم.


أما أثره فقد جاء نتيجة تبنيه و تطويره للفلسفة الوضعية . فقد أخد بها كثيرون بعده , و طور بعضهم ما سمي بالوضعية الجديدة. و رغم أن هذا الجانب يعد من أهم مؤثراته , إلا أنه الجانب الذي واجه أكثر النقد . أولا في حصرة المعرفة بما يمكن ملاحظته , ثم في تبنيه المنهج التطوري القائم على الحتمية , و افتراض الوحدة الأنسانية ,التي اهمل من خلالها بحث أوجه التباين داخل المجتمع و بين المجتمعات

.

رأي:

أرى ان أراء كونت قد أسهمت بشكل كبير في تطور علم الاجتماع, كنزعة المحا فظة ونزعته الإصلاحية وكذلك العلمية, ونظرته التطورية للعالم, وهناك جوانب أخرى من أعمال كونت تستحق الذكر و التي لعبت دورا كبيرا في تطور علم الاجتماع, فعلى سبيل المثال لا يركز علم الاجتماع عنده على الفرد, ولكنه يتخذ من الكيانات الكبرى-كالأسرة- كوحدة أساسية للتحليل, كما اهتم بالنظر إلى كل من البناء الاجتماعي و التغير الاجتماعي في نفس الوقت.


الإنتقــــــادات من وجهــــــة نظـــــــري :

1- عندما قال بأنّ المجتمعات كلها في بداية تكوينها تمر بثلاث مراحل رئيسية كما في قانون المراحل الثلاثة وهذا ليس بالضرورة ، إذ أنّ هناك مجتمعات لم تمر بهذه المرحلة .


انّ دراسته كانت على المجتمع الفرنسي وما يعاني من فوضى ثم عن النتائج على جمع المجتمع وهذا خطأ ، فالمجتمعات تختلف عن بعضها البعض ، وكل له طريقة عيش وعادات وتقاليد تختلف عن بعضها

امن الملاحظ – ابتداء – أن الفيلسوف " كونت" وهو يتكلم عن فلسفته الوضعية يقدم لها بما افتراه من قانون الحالات الثلاث وغيرها ، نقول : نلاحظ كما لاحظ غيرنا أن الرجل يصدر عن فكر نظري بحت . وعن أوهام ذاتية خالصة لا صله لها بالواقع ولا بالموضوع . وبذلك أضحى – وهو الذي ينعى على الأوهام الذاتية ويدعو إلى الوضعية – مثالا واضحا أو نموذجا فاضحا لهؤلاء الذين يعيشون أسرى الأوهام الذاتية من جانب ثم يصدرون في فكرهم عن أبحاث نظرية لا صله لها بالواقع أو الموضوع من جانب آخر ،وبذلك فقد الفيلسوف مصداقيته من اللبنة الأولى للنظرية التي أقام عليها فلسفته .


وقد وقع الفيلسوف في هذه المناقضة الواضحة بين ما يدعو إليه والحقيقة التي هو عليها فعلا حين أقام نظريته في قانون التقدم الإنساني الذي أطلق عليه " قانون الحالات الثلاث" على فكر نظري خيالي بحت ، دون أن يعن بدراسة المجتمعات الإنسانية في بيئاتها المختلفة ، وأقاليمها المتعدد

وإذا أردنا ان نضع قانون الحالات الثلاث في ميزان النقد , فإننا نقول أن مثل هذا القانون لا يستطيع أن يحتمل الاختبارات الامبيريقية المعروفة . الآن كذلك فإن المرحلة الأولى اللاهوتية لا تختفى كما يقول جنزبرج بظهور العلم و تطور النظريات العلمية , فهي تظهر في صورة من الصور لدى العلماء و الفلاسفة . و تاريخ العلم يشهد بامتزاج الفكر الميتافيزيقى بالفكر العلمي الخالص . فقد أسس كل من كلير و ديكارت رأيهم في قوانين الطبيعة لى القول بكمال الله , و رأى نيوتن أن النظام المجموعة الشمسية راجع الى القدرة الالهية , و أن المكان الانهائي هو الحس الالهي, و الدال على وجده في كل مكان , فلا معنى اذن للقول بفكرة المراحل او الفواصل التي تفصل بين جوانب الفكر الأنساني برمته برغم اتصالها الاكيد.


المراجع :

كتاب علم الاجتماع و ميادينه لدكتور حسين عبد الحميد رشوان

كتاب الفكر الاجتماعي و النظريات الكلاسيكة في علم الاجتماع لدكتور ابراهم عيسى عثمان

كتاب كتاب مدخل في علم الاجتماع لدكتور إحسان محمد الحسن .

340 views

COME SAY HI

Avenue 6, Sitra 604,

Central Governorate, Bahrain

CALL OR TEXT

OFFICE | +973 1773 0767 

WHATSAPP | +973 33805115

EMAIL US

FOLLOW US

  • Facebook
  • Twitter
  • Instagram
  • Pinterest
  • locatio-icon

© Optimum Copy Center. Made in Bahrain.