• Admin

الحقوق المشتركة بين الزوجين

المقدمة

فقد تقدَّم الكلام -فيما مضى- عن حقوق الزوج على زوجته، وعن حقوق الزوجة على زوجها، ونتعرَّض -في هذه الكلمة- إلى الحقوق المشتركة بينهما، والتي رتَّبها الشارع على صحَّة عقد الزواج، وهذه الحقوق معدودةٌ من آثار ذلك العقد، وتتمثَّل في: حِلِّ الاستمتاع، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة، وحُسن المعاشرة بالمعروف، وثبوت التوارث.


رأيتُ من المفيد أن أُفْرِدَ حقوقَ المعاشرة بالمعروف بين الزوجين في فرعٍ مستقلٍّ بالنظر إلى أنَّ المعاشرة بالمعروف -وإن اقتضت المماثلةَ- إلاَّ أنَّ الزوجين قد يختلفان في مفرداتِ هذا الحقِّ -كما سيأتي-، ثمَّ أُعقبه بالحقوق المشتركة الأخرى -ماليةً كانت أو غيرها ممَّا توجبه الرابطةُ الزوجية- في فرعٍ آخر تالٍ له


الموضوع

المماثلة في الحقوق بين الزوجين

الأصل في الحقوق المشترَكة بين الزوجين هو ما قرَّره الشرعُ لهما وعليهما، وما يُمْليهِ عُرْفُ الناسِ وعاداتُهم في الأحوال والأمكنة ممَّا يُقِرُّه الشرعُ ولا يُنْكِرُه؛ إذ ما يجري عليه عُرْفُ الناسِ هو تابعٌ لشرائعِهم وعقائدِهم وآدابهم، وقد جاء في التنزيلِ قولُه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚوَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالآيةُ أَوْجَبَتِ المُماثَلةَ في تأديةِ كُلِّ واحدٍ مِنَ الزوجين ما عليه مِنَ الحقِّ لصاحِبِه بالمعروف؛ فكانَتِ المُماثَلةُ بالمعروف هي ميزانَ المُعامَلةِ بينهما في جميعِ الشؤونوالأحوال، فإذا هَمَّ الزوجُ بمُطالَبتِها بأمرٍ مِنَ الأمور فيما يدخل في وُسْعِها وطاقتِها تَذَكَّرَ أنَّ عليه واجبًا مِثْلَه بإزائه؛ فكان ميزانُ المُماثَلة في الحقوق يَتَبَلْوَرُ في أنه ما مِنْ حقٍّ للمرأة على الرجل إلَّا وللرجل في مُقابِله حقٌّ على المرأة على وجهٍ يَليقُ بكُلِّ واحدٍ منهما ويُناسِبُه.


غير أنَّ المُماثَلةَ في الحقوق المشترَكة بين الزوجين قد تَثْبُتُ على أساس التقابل المُتبادَلِ بينهما في الحقوق على أنهما أَكْفَاءٌ مِنْ غيرِ شرطِ المُطابَقةِ بين أعيان تلك الحقوقِ؛ إذ لا يخفى أنَّ الزوجَ لا يجب عليه مثلًا إذا ما غَسَلَتْ له ثيابَه أو خبزَتْ له أَنْ يفعل نحوَها مِثْلَ ذلك، وإنما المقصودُ بالمُماثَلةِ مُقابَلةُ واجبٍ لآخَرَ، فما مِنْ عملٍ تعمله المرأةُ لزوجها إلَّا وللرجل عملٌ يُقابِلُه لها، إِنْ لم يكن مِثْلَه في شخصه وعينِه فهو مِثْلُه في جنسه، فإِنْ تَعذَّرَ في جنس الفعل أو العين فيُقابِلُه بحَسَبِه بما يَليقُ بالرجال مِنْ زيادة التوسعة والإنفاق أو في حُسْنِ العِشْرة والصحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: زيادةٌ في الحقِّ والفضيلة والإنفاق والقيام بالمَصالِح(١)، وفي معنى الآيةِ قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَهُنَّ مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِنَ الطَّاعَةِ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ»(٢).


وقد تَثْبُتُ المُماثَلةُ في الحقوق بين الزوجين في أعيانِ أو أفرادِ نوعٍ مِنَ الحقوق على وجه المُقابَلة وبشكلٍ مُتطابِقٍ مع أعيانها أو أفرادها مثل: الآداب العامَّة مِنْ رِفْقٍ في المُعامَلةِ والمُعاشَرةِ بالمعروف، فكُلُّ واحدٍ مِنَ الزوجين يُقابِلُ حقَّ صاحِبِه بتأديةِ ما عليه تُجاهَه على وجهِ مُماثَلةٍ مُتطابِقةٍ على بعض أفرادِ تلك الآدابِ العامَّة وأعيانِ المُعاشَرةِ بالمعروف مِنْ: كَرَمِ القول وطِيبِه، وطلاقةِ الوجه وبشاشتِه، والتقديرِوالاحترام، والصفحِ عن الهفوة والتغاضي عن التقصير، ونحوِ ذلك ممَّا تقدَّم في حقِّ الزوجة على زوجها، ومِنْ ذلك: العنايةُ بالمظهر وحُسْنِ الهيئة، فقَدْ رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَزَّيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾[البقرة: ٢٢٨]»(٣)، وعدمُ إفشاء السرِّ بينهما أو ذِكْرِ قرينه بعيبٍ أو سوءٍ بين الناس كما تقدَّم في الحديث:«إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»(٤)، ونحوُ ذلك مِنْ جزئيَّات الآداب العامَّة وأعيانِ المُعاشَرةِ بالمعروف.


وانطلاقًا مِنْ مُفْرَداتِ المُماثَلةِ في الحقوق التي ينبغي على كُلٍّ مِنَ الزوجين أَنْ ينهض بها ويسعى إلى تحقيقها وتأديتِها حقَّ الأداءِ، نَتناوَلُ جملةً منها على وجه التوضيح والتقريب في الفروع التالية:

فالواجب على الزوجين أَنْ يُوصِيَ بعضُهما بعضًا بالحقِّ الذي يَحِقُّ القيامُ به مِنْ قضايا الإيمان بالله ومسائلِ التوحيد، ويَتعاوَنَا على طاعة الله بما شَرَعَه واجتنابِ ما نَهَى عنه، ويُذكِّرَ بعضُهما بعضًا بتقوى الله والصبرِ على القيام به عملًا بقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر]، وقد جاء ثناءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وترحُّمُه على زوجين يُعينُ كُلٌّ منهما الآخَرَ على طاعة الله وعبادته فقال: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ»(٥).


الخاتمة

و ختاما فهذه هي الحقوقُ المشترَكةُ بين الزوجين رتَّبها الشارعُ الحكيم على صحَّةِ العقد الشرعيِّ وجَعَلَ مَدارَ هذه الحقوقِ على حِلِّ العِشْرةِ الزوجية، وقد أشارَ محمَّد أبو زهرة إلى هذا المحور الأصليِّ بقوله: «.. هذا هو الحقُّ الأصليُّ المشترَك، وتَبِعَ ذلك حقَّان آخَرانِ مشترَكان بينهما هما: حُرْمَةُ المُصاهَرةِ والتوارثُبين الزوجين؛ فإنَّ العِشْرَة لمَّا حلَّتْ بين الزوجين ربطَتْ بينهما لُحْمَةً(٣٨) تُشْبِهُ لُحْمَةَ النسب أو أقوى، ثمَّ رَبَطَتْ بين أُسْرَتَيْهما برباطٍ مِنَ المُصاهَرة، فصارَتَا كأنهما أسرةٌ واحدةٌ؛ ولذلك ثبتَتْ بينهما حُرْمَةُ المُصاهَرة، ثمَّ ثَبَتَ التوارثُ بسببِ أنَّ حِلَّ العِشْرَة أَوْجَدَ الصِّلَةَ بين الزوجين بما هو مِثْلُ القرابة، وإذا كانَتِ القرابةُ تُثْبِتُ الميراثَ فالزوجيةُ ـ أيضًا ـ تُثْبِتُ الميراثَ بين الزوجين، تلك هي شريعةُ اللطيف الخبير»


المصادر

http://ferkous.com/home/?q=art-mois-89

COME SAY HI

Avenue 6, Sitra 604,

Central Governorate, Bahrain

CALL OR TEXT

OFFICE | +973 1773 0767 

WHATSAPP | +973 33805115

EMAIL US

FOLLOW US

  • Facebook
  • Twitter
  • Instagram
  • Pinterest
  • locatio-icon

© Optimum Copy Center. Made in Bahrain.