الفلك اليوناني

"لا شيء يتحرك في هذا العالم إلا وله منشاً يوناني ما عدا قوى الطبيعة العمياء"

السير هنري جيمس سترمين





لسنا بحاجة للاعتذار عن إدخال الفلك اليوناني في قصتنا عن الفيزياء، لأن الفلك أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى فرعاً من الفيزياء ويكفينا لتأًكيد ذلك أن نلاحظ العلاقات القائمة بين فيزياء الطاقة العالية والكونيات (كومولوجية) أو بن تطور النجوم والفيزياء النووية ، أو تلك العلاقات بين بنية المجرات وتحريك السوائل فهي تظهر مدى الرابطة المتينة بين فرعي المعرفة هذين

بل إن قصة الفيزياء تبدأً من بعض نواحها بالفلك اليوناني، إذ كان اليونانيون أول من حاول فهم حركات النجوم والكواكب في سماء الليل وتفسيرها فالفكرة القائلة بأن الأجرام السماوية تخضع لقوى غير مرئية (نعبر عنها اليوم بقوانين فيزيائية) بدأت على الأرجح، ولو بشكل غامض، عند الفلكيين اليونانيين فمع أن معتقداتهم تبدو لنا اليوم عتيقة إلا أهم حاولوا استخدام رياضياتهم ليفهموا ما كانوا يتخيلون أنه بنية الكون » الهندسية « ، وتحبيبهم للعمل الرياضي الفكري البحت (في مقابل تطبيقاته العملية) لم يمنع عدداً من الفلكيين اليونانيين من أن يظهروا فائدة التقنيات الرياضية، فقد أقدموا على حساب بعض الأشياء مثل قطر الأرض وعدد حبات الرمل في الكون المعروف حينئذ. وقد كانت هذه الوقائع توحي بأن الرياضيات يمكن أن تكون عوناً للفلكيين تزويدهم بوسائل التعبير كمياً عن ظواهر فيزيائية منفصلة. على أن فكرة استخدام الرياضيات لتكون لغة مشتركة للعلوم لم تكن موضع اهتمام جدي عند اليونانيين ، فما استطاعوا بالتالي أن يذهبوا إلى أبعد من الانشغال بأعمال الرصد الفلكي العقيمة نسبياً ليصوغ و قوانين فيزيائية تفيدهم في تفسير أرصادهم








ولكن، على الرغم من أن اليونانيين لم يطوروا إطاراً من القوانين الفلكية أو المبادئ الأناسية تكون لمم هادياً في دراستهم الفلكية ، فإنهم جمعوا مقداراً ضخماً من جداول الأرصاد، وقدموا نماذج متنوعة للكون كان لها تأثير عظم في فلك ما بعد اليونانيين، وساهموا في الفلك أكثر مما ساهموا في الفيزياء، ويعود ذلك، في المقام الأول ، إلى أن تأمل السماء في الليل أسهل بكثير، بل وأكثر متعة، من تحليل محتوى المادة وبنيتها فجمال السماء الرائع وغموضها يشدان المرء إلى الدراسة والتساؤل والعجب، وجاذبيتها لليونانيين المغرقين في نزعتهم إلى الفلسفة لا يمكن أن تقاوم، لذلك وعلى قدر ما ازدهرت الدراسة الفلكية ضعفت الدراسة الفيزيائية •


ومع أن فيثاغورس و أتباعه وضعوا الأرض في مركز الكون إلا أنهم تصوروا أنها على شكل كرة تتحرك على محيط دائرة صغيرة مرة كل 24 ساعة. وهكذا فتروا دوران السماء الظاهري اليومي مع نجومها بالإضافة إلى حركة الشمس والقمر اليومية ولم يخطر في بالهم أبداً أن الأرض تدور حول محورها الخاص. وكان الفيثاغورسيين يعتقدون بأنه لا بد أن يكون في مركز مدار الأرض نار مركزية تنير الشمس والقمر، وا كان هذا انموذج البداني غير قادر على تفسير جميع المشاهدات ، عمد الفيثاغورسيين إلى تجميل نموذجهم بمزايا أخرى لا تستند إلى أي أساس فيرياني .


وعلى الرغم من الرأي السائد بأن الأرض ساكنة والسماء تدور حوفا، فإن عدداً قليلاً من الأفراد لم يكونوا مقتنعين بصحة هذه النظرية القائلة بمركزية الأرض في الكون . أرسطو خوس الساموزي (310-230ق.م) كان، ٤ نظن، أول من قدم نظرية تقول بمركزية الشمس في الكون . وقد ولد أرسطو خوس هذا في جزيرة ساموس(في الأرخبيل اليوناني) وأدرك مدرسة » اللوقيون ، التي أسسها أرسطو في الأصل، درس فيها على يد ستراتو Strato الذي لقب ا بفيلسوف الفيزياء، . وكان أرسطرخس يفضل الرياضيات حتى أنه غرف فعلاً بين المعاصرين ا الرياضي، ولعل هذا اللقب أطلق عليه تميزه من أشخاص آخرين كان لهم اممه" .




كان أرسطرخس صاحب الفضل الأكبر في نشوء تصورنا الحديث لمركزية الشمس في المنظومة الشمسية ، ولم يبق لنا من مؤلفاته سوى كتاب عن حجم الشمس والقمر وأبعادها . ويتضح من هذا الكتاب أن أرسطرخس أول من قام بمحاولة جدية لقياس بعدي الشمس والقمر عن الأرض. ولا شك أن ملاحظات كهذه هي التي قادته في النهاية إلى نموذج مركزية الشمس في المنظومة الشمسية . وقد كان لهذا انموذج تأثير كبير لدى كوبرنيق الذي نستطيع التحدث عنه على أنه أرسطرخس الحديث. لقد فكر أرسطرخس أن القمر حين يكون في الربع (التربيع) الأزل، أي حين يكون نصف قرصة المرني مضاء، فإن المستقيم الواصل من مركز الأرض إلى مركز القمر يكون متعامداً مع المستقيم الواصل من مركز القمر إلى مركز الشمس . فلو كانت المسافة، في ذلك الحين، بين القمر والشمس تساوي تقريباً بعد القمر عن الأرض لكانت زاوية الخط الواصل من الأرض الى الشمس مع الخط الواصل من الأرض إلى القمر °45 درجة في حين نجد أن هذه الزاوية تقرب من %90 درجة، مما يعني أن بعد الشمس عن القمر، وبالتالي بعدها عن الأز أكبر بمرات كثيرة من بعد القمر عن الأرض. ولكن القمر والشمس يبدوان كأنهما بحجم واحد، مما يدل على أن الشمس، في الحقيقة أكبر بكثير من القمر ومن الأرض، وهكذا استدل أرسطو خوس من هذا بأن ما هو معقول أكثر هو أن يدور جسم أصغر كالأرض حول جسم أكبر منه كالشمس لا أن يحدث العكس .



وقد ذكر المهندس المعماري فثر وفيوس Vitruvius أن أرسطرخس لم يكن يملك مواهب رياضية خارقة فحسب بل كان يملك أيضاً مقدرة على استخدام مواهبها في حل مسائل عملية . وكان فيتروفيوس يعتقد بأن أرسطرخس هو الذي اخترع السكيف Skafe وهو مزاولة » تتألف من نصف كرة وإبرة تنتصب عمودياً في الوسط لتلقي بظلالها «". ومع أنه من غير الواضح ما الذي جعل رياضياً متميزاً مثل أرسطرخس يشغل نفسه بأوضاع الأجرام النسبية في المنظومة الشمسية ، إلا أن من المحتمل أنه حين كان يعد كتابه » مكنه ذلك من تقدير حجم الأرض والشمس النسبيين ."e وقاده إلى اقتراح نظام مركزية الشمس


وعلى الرغم من الاستحسان الذي لاقاه تفكير أرسطرخس الجريء عند بعض قدماء النقاد والمعلقين ، فإن نموذج مركزية الشمس لم يلق قبوً واسعاً ؟ فأرخ يدس، على سبيل المثال، جادل بأن نموذج مركزية الشمس الذي اقترحه أرسطرخس كان فيه خلل من الناحية الرياضية إذ يدو من اقتراحه وأن نسبة الأرض إلى الكون، { كان يعتقد عموماً، تساوي نسبة الكرة التي تدور وفقها الأض بحسب اقتراح أرسطرو إلى كرة النجوم الثابتة 0". على أن انتقاد أرهيدس م يكن دقيقاً لأنه افترض أن أرسطرخس كان يعبر عن حقيقة رياضية في حين أن كل ما كان يريده في حقيقة الأمر هو أن يظهر صغر الأرض بالنسبة إلى ضخامة الكون الهائلة. وما زاد في سوء الطالع الذي لحق بـ نظرية أرسطو واستمرارها ، تعلقها بتأملات خرافية عن الكون مما دل على أنها متدنية الأمية إذ إن الرياضيين اليونانيين الأكر موهبة كانوا يوجهون عنايتها للفلك فبراهين أبولونيوس البيري ( من بيرا Pera) وهبارخوس وبطليموس وحساباتهم الدقيقة كانت تستند إلى تكييف هندسي، ثم إن هذه 'النظريات الكونية مع ما أتت به من دوائر التدوير (الإيسكلات) أو دوائر الاختلاف المركزي 'eccentrics، كانت أعقد رياضياً من مركزية الشمس الأقدم منها، لذلك بدت هذه الأمور ذات صلاحية فكرية أقوى و اجتذبت بالتالي اهتمام الفلكيين والرياضيين اليونانيين .




أما هيراقليدس الذي عاش في القرن الرابع ق .م، أي سبق أرسطو بما يقرب من قرن ، فقد اقترح أن الأرض تتحرك ولكن ا ليس بطريقة متقدمة بل بطريقة دورانية حول مركزها الخاص من الغرب إلى الشرق مثل دوران دولاب ذي محور، ، فكانت هذه الفكرة ، أي فكرة أرض تدور، انحرافاً جريئاً عن تعاليم أفلاطون وأرسطو اللذين درس هيراقليدس معهما، فهما يقولان إن السماء تدور حول أرض ثابتة«. وربما كان هيراقليدس فيثاغورسياً أيضاً، إذ يقال إنه شهد المدارس Venus الفيثاغورية، ا ذكر عنه في كتابات فلاسفة آخرين من ذلك العهد أنه قال بأن الزهرة لاتدور حول الأرض بل حول الشمس لأن بعدها عن الأرض ٤ يستدل من تبدل بريقها الظاهري يتغير تغيراً ملحوظاً .


ثم مرت بعد أرسطو بضع مئات من السنين قبل أن تبذل محاولة جدية لبناء نموذج فيزيائي للمنظومة الشمسية يتضح منه على نحو صحيح كيف تتم حركة الشمس والقمر والكواكب التي غرفت حركاتها الظاهرية . وكان الفلك الرصدي ما يزال مزدهراً ولا سيما في الاسكندرية حيث قامت جماعة من الراصدين، بدعم من أسرة البطالة الحاكمة وتشجيعهم ، بتعيين مواضع الكواكب والنجوم تعييناً دقيقاً مستعينة لذلك بأدوات مدرجة. وقد دفعهم اتهامهم بتنظيم التقوم إلى متابعة حركات الشمس والقمر الظاهرية؟ فكانت أرصاد هم بعد ذلك عوناً لهبًارخوس وبطليموس لكي يطوروا نظريتهما عن دوائر التدوير التي فسروا بها حركات الكواكب الظاهرية في نموذج المنظومة الشمسية القائل بمركزية الأرض .





(Puree وفي أثناء ذلك لم يكن الفلك النظري مهملا تماماً، في أبولونيوس البرجي (من برج (262-200ق.م) الذي كان أحد كبار الرياضيين الأوائل، والذي قضى معظم حياته في الإسكندرية، طور هندسة حركات الكواكب الظاهرية التقهقرية التي أدخلها بطليموس بعدئذ بأسرها في نظريته عن مركزية الأز 4 6 كان نظريته في القطوع المخروطية تأثيرها بعدما يقرب من 1300 عام- في يوهانس كبلر الذي رأى أن مدارات الكواكب حول الشمس هي مخروطية ناقصة . وقد أصبح أبولونيوس معروفاً بصفته ا أعظم رياضي، نظراً لكتاباته الواسعة في الرياضيات والتي كانت تمتاز امتيازاً بارزاً بوضوحها وبعدها عن التعابير التقنية ٤ توصل إلى خواص القطوع باستخدام أسلوب هندسي بحت، وبين كيفية إيجاد أقصر مسافة بين نقطة مفروضة وقطع وأطول مسافة بينهما. وتبعاً لما جاء في كتاب ه.و. تورئبل »كبار الرياضيين 4 كان أبولونيوس يعرف كيفية العمل بما يفترض أنه معادلة من الدرجة السادسة في س وع أو تكافؤها الهندي وهذا عمل يعذ فذا في زمانه) .

ويعتقد أيضاً بأن أبولونيوس قد ابتكر طريقة سريعة لحساب المقدار 7 () تقريياً في كتابة »الأعداد الصماء الفوضوية٢ وهذه الطريقة هي، ٤ يعتقد توابل، عمل يمكن أن يفهم على أنه كان نظرية بدائية للتقارب المنتظم .


وقد دفع التوسع التجاري وانتشار الاكتشافات الأرضية على نطاق واسع في ذلك العصر، إلى الاستمرار في زيادة دقة الملاحة البحرية وفي معرفة هندسة الأرض مما أثار نشاطاً جغرافياً عظم الشأن . وكانت كروية الأزي أمراً معروفاً عند الفيثاغورسيين أو أنهم أدركوه بحسهم، ٤ أن أرسطو تثر محيط الأرض بما يقرب من 40000 ميل·. وقد كان واضحاً تاماً لدى الملاحين القدامى أن الأرض كروية لأنهم لاحظوا كيف تتغير أوضاع النجوم بالنسبة إلى الأفق عندما يحرون شمالا أو جنوباً فهنالك كوكبات (مجموعات نجمية) م تظهر أبداً عندما أبحر الملاحون شمالاً ولكنهم رأوها تشرق وتغيب عندما مروا جنوباً.





وهكذا لم يق عل المنتمي العظيم إيراتوستين الاسكندراني (276-194 ق.م) سوى أن يقوم بتعيين مقدار محيط الأرض تعييناً دقيقاً، وكان حينذاك قيماً على متحف الاسكندرية العظم . ولا تختلف طريقة إيراتوستين عن الطريقة الجيوديسية الحديثة، وهي تعيين طول قوس، على سطح الأرض تقابل درجة واحدة (أي ما يقال عنه باختصار طول الدرجة).ويعرف »طول الدرجة« على سطح الأرض بأنه المسافة التي يجب أن يمشها شخص على طول دائرة عظمى (أو على محيط الأرض في أحد أوضاعه) لكي يتغير منحى خيط المطار (أي منحى الشاقول) درجة واحدة. وتساوي هذه المسافة تقرياً و6 ميلاً، وهكذا فإن محيط الأرض (أو طول دائرة عظمى بكاملها) يساوي تقرياً x69°36 أي نحو 2A4840 ميلاً.

غير أن إيراتوستين لم يقس طول الدرجة بل لاحظ أن الشمس في أسوان عند ظهيرة أطول يوم في السنة، تكون فوق الرأس مباشرة (لأنها لا تليق بأي ظل عل قعر بئر عميقة)، ولكن إبرة المزولة رأي عصا شاقولية) تلقي في الاسكندرية في هذا الوقت نفسه بظل يدل على أن الشمس كانت هناك جنوب أوردت) السمت بمقدار 7، ولكن المسافة على طول دائرة عظمى بيعين

أسوان والاسكندرية تساوي تقرياً s0 ميل، والزاوية 74 درجة تعادل تقرياً من الدورة

ة -١ 4 ٠ 5o

الكاملة °360، وهكذا وجد إيراتوستين أن طول محيط الأرض يقرب من 25000 ميل (أو بدقة أكثر 2As00 ميل)، وهي قيمة قريبة من القيمة الحديثة قرباً شديداً.


ولا شك في أن مبارخوس (2190-120 ق.م) كان أعظم الفلكيين اليونانيين الأوائل، فقد مهدت أعماله الرصدية والنظرية لعمل بطليموس الذي كان كتابه المجسطي magestA مرجع الفلكيين لمدة 1500 عام تالية ، وم يق لنا من كتب هبارخوس العديدة سوى كتاب واحد كتب في عام 140 ق .م وهو يورد فيه اكتشافه المبكر مبادرة الاعتدالين بالإضافة إلى فهرس للنجوم. وطبقاً لما أورده بطليموس في كتابه المجسطي الذي يصف فيه أعمال هبارخوس بأكملها، فإن هبارخوس بدأً أرصاده في عام 161 ق.م، وكان قد درس أعمال البابليين الفلكية وكذلك أعمال الاسكندرانيين الأوائل، وهذا ما قاده إلى اكتشافه الشهير، أي مبادرة الاعتدالين نحو الغرب .


وقبل أن نشرح هذا الاكتشاف علينا آن نعرف ما هو المقصود بالاعتدالين ؟ الفلكيون يستخدمون دائرتين خياليتين سماويتين عظيمتين مرسومتين على القبة السماوية ويستعينون بهم في وصف شروق النجوم وغروبا والحركات الظاهرية للشمس والقمر والكواكب : والدائرة الأولى هي دائرة الاستواء السماوية (وهي الدائرة العظيمة التي تتعين من تقاطع مستوى دائرة استواء الأرض مع القبة السماوية) ؟ أما الدائرة الثانية فهي دائرة البروج (أو دائرة الكسوف ، وهي الدائرة التخيلية التي يدو كأن الشمس تسير عليها في اتجاه الشرق متنقلة بين البروج من يوم إلى يوم خلال سنة كاملة). ونظراً لأن مستوى إحدى هاتين الدائرتين العظيمتين يميل على مستوى الأخرى بما يقرب من }23" درجة ، فإن دائرة الاستواء السماوية تتقاطع مع دائرة البروج في نقطتين على القبة السماوية متقابلتين قطرياً، تدعى إحداها »الاعتدال الربيعي« والأخرى » الاعتدال الخريفي ،. ولما كانت الشمس تتحرك في تنقلها الظاهري نحو الشرق وفق دائرة البروج فهي تمر بهذين الاعتدالين مرة في كل عام مرة في 21 آذار تقرياً في الاعتدال الربيعي، ومرة في 2l إيلول تقرياً في الاعتدال الخريفي. والسبب في تسمية هاتين النقطتين بالاعتدالين هو أن الشمس تشرق في هذين اليومين عند الساعة 6 قبل الظهر من شرق الراصد تماماً وتغرب في الساعة 6 بعد الظهر في غرب الراصد تماماً ويتساوى يومئذ طول كل من الليل والنهار .


وقد استفاد هبارخوس من استخدامه الأرصاد المبكرة لأوقات شروق النجوم وغيرها ومن تحديد بداية الربيع، فلاحظ أن هذه البداية تبدو مبكرة نوعاً ما في كل عام حين تقارن بشروق النجوم الثابتة. ونعبر عن ذلك على نحو مختلف بالقول إن هبارخوس اكتشف أن النجوم الثابتة تغير مواضعها قليلاً كل عام متجهة نحو الشرق بالنسبة إلى الاعتدال الربيعي. وقد قذر هذا الانتقال تقديراً مبدئياً بأنه نحو درجة واحدة كل 75 عاماً. والرقم الصحيح بحسب القياس الحالي هو 50,2619 ثانية قوسية في.العام.


وهكذا فإن السنة الموجية (أو الفترة بين انطباقين متتاليين للشمس مع الاعتدال الربيعي) هي أقصر بمقدار 20 دقيقة من مدة دوران الأرض حول الشمس (دوراناً نجومياً) وقد سميت هذه الظاهرة و مبادرة الاعتدالين (أو تقدمهم) نحو الغرب4.

وكان سبب هذه المبادرة مجهولاً في ذلك الوقت، ولكننا نعرف اليوم أن سبب ذلك هو أن الأرض ليست كروية تماماً وإغا هي كروانية Spheroid مفلطحة ، منبسطة عند القطبين ومنتفخة عند خط الاستواء؟ لذلك فإن محور دوران الأرض لا يظل متجهاً في الاتجاه نفسه طيلة الوقت لأن الشمس والقمر يستمران في جذب الانتفاخ إليهما (في يؤثران بعزم فتل في الانتفاخ) بحيث يدور محور الأرض في اتجاه الغرب دورة كاملة كل 2600 سنة، أو بعبارة أخرى ليس القطب الشمالي نقطة ثابتة في القبة السماوية بل يتحرك غرباً عل دائرة حول قطب دائرة البروج .





ولا شك أن هبارخوس كان فلكي عصره المبرز الذي تقدم بالعلم عامة وفي الفلك خاصة أكثر من أي فلكي أى قبله ، وكانت أكبر مساهمة له هي استخدامه القياسات الدقيقة والرياضيات والمحاكمة اليقظة في تحليل المعطيات الفلكية، فإليه يرجع مفهوم قذر النجم الذي يستخدمه الفلكيون اليوم للدلالة على مقدار لعان النجم ، وقد صنف هبارخوس النجوم في مراتب بحسب لمعانها الظاهري، ) استنتج من المدة التي يبقى فيها القمر مسوفاً قيمة دقيقة إلى حد ما لحجم القمر ويعده عن الأرض، ويعتقد كذلك أنه ابتكر علم قياس المثلثات الذي يعرف اليوم باسم حساب المثلثات، إلا أن تفاصيل هذا العلم لم تكتمل إلا على يد بطليموس. ومع أن تحريات هبارخوس الخاصة أقنعته محطاً اعتقاد أرسطو بأن الأجرام السماوية تتحرك حول الأرض في دائرة ، إلا أنه لم يجرب منحنيات أخرى القطوع الناقصة التي تعرف اليوم بأنها تمثل مدارات الكواكب ، ولكنه جذب بدلاً من ذلك، هو ومن أق بعده، تالفاً من دوار غرفت باسم ١ دوائر التدوير، (إليسكلات)، بأمل الوصول إلى نموذج للمنظومة الشمسية صالح لتفسير حركات الكواكب عبر سماء الليل. وهكذا ك تأثيره كبيراً جداً لدرجة أن جهوده التي بذلها في تطوير نظرية مركزية الأرض رياضياً أعاقت كل مناقشة قيمة حول مذهب أرسطرخس في مركزية الشمس مدة تقرب من مارغوس أعظم راصد فلكي في العصر اليوناني القديم، لا أن عله كان قد ضاع لو لم يكتب بطليموس (10-170ب.م) كتابه المجسطى. ومع أن بطليموس عاش في مصر، إلا أن اسمه اللاتيني كلوديوس بطويعوس يشير إلى أنه كان يحمل صفة المواطن الروماني التي قد يكون منحها لأحد أجداده الامبراطور كلوديوس أونروا". وكان بطليموس رياضياً ضليعاً ولكنه م يشتهر إلا بعمله الفلكي الذي جمع فيه أكر الأعمال الفلكية اليونانية الأولى بشمول شبيه بشمول مفر إقليدس في الهندسة. وم يفترض بطليموس في قارئ{ كتابه (المجسطي) سوى معرفة الهندسة الإقليدية وفهم التعابير الفلكية الشائعة المألوفة ، وهو يرشد ]القارئ [ انطلاقاً من المبادئ الأزلية وعبر ما يلزمه من المعارف الكونية ومن الوسائل الرياضية إلى عرض نظرية حركة الأجرام السماوية التي عرفها القدماء (الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمره والمشتري وزحل والنجوم الثابتة ، وكانت الأخيرة هذه تعد مثبتة كلها معاً عل كرة واحدة متمركزة مع الأرض) وإلى عزض الظواهر المختلفة المقترنة بها كالخسوف والكسوفه .


ويعذ كتاب بطليموس قصة كاملة عن الفلك القديم بالإضافة إلى تشديده على العهد الإسكندراني الذي هيمن عليه هبارخوس. وقد عرض بطليموس في كتابه المجسطى نظرية دوائر التدوير كاملة ليشرح بها ما يتراءى للناظر من حركات الشمس والقمر والكواكب ضمن إطار يقوم على مركزية الأرض في المنظومة الشمسية. على أن بطليموس لم يقتصر على عرض عمل هبارخوس بل أكمله وومتعه أيضاً في مناسبات عدة فقد حسن طريقته في تصنيف النجوم بحسب أقدارها ، وقد استمر العمل بهذه الطريقة حتى عام 1850 ، حين استبدلت بها طريقة دقيقة لتصنيف أقدار النجوم أدخلها برغسون Pogson. ولا تقوم أهمية كتاب المجسطي على معلوماته الفلكية بقدر ما تقوم على منهجيته التي أدخلها في العلم، ألا وهي التوفيق بين الأرصاد المتأنية الدقيقة والرياضيات . وما يشهد على مهارة بطليموس الرياضية العظيمة وقوة حجته وتفكيره أنه ما من أحد استطاع أن يعرض طريقة أفضل من طريقة دوائر التدوير لتفسير حركات الكواكب .





المصدر : كتاب قصة الفيزياء