فيزياء جاليليو غاليليه - Galileo Galilei Physics

لن نستطيع منا وقي أي مجال أخر التمعن في داخل الأشياء على أفضل وجه إلا إذا رأيناها فعلاً وهي تنمو منذ البداية

" أرسطو"


على الرغم من أن غاليليو غاليليه Galileo Galilei (1564-1642) كان معاصراً يوهانس كبلر، إلا أن العالمين نادراً ما اتصل أحدها بالآخر، وما يشتركا إلا بالقليل، ومع ذلك فقد كانا مسؤولين عن إرساء أسس العلم التي جعلت مساهمة نيوتن في دراسة الميكانيك أمراً ممكناً. ولريها لم يكن لغاليليو مواهب كبلر الرياضية، ولكن اهتماماته المهنية كانت أكثر تنوعاً، لم يجاره أحد في اللجوء إلى التجارب لإيضاح الظواهر الفيزيائية، فعل مثلاً فيما يتعلق بسقوط الأجسام الحر.



Galileo Galilei (1564-1642)


وكان ، إضافة إلى ذلك، حرفياً مجدداً استطاع أن يصنع أدواته مثل قراباته المحسنة، التي ساعدت على التوصل إلى اكتشافات فلكية مهمة ووسعت إلى حد بعيد مجالات الرصد في الكون .


ولد غاليليو لأب فلورنبي تاجر قبل موت ميكل أنجلو بثلاثة أيام، وكان العلم آنذاك في بواكير أيامه والتساؤلات المدرسية الفكرية كانت مثقلة بالسلطة القوية لأصحاب العقيدة البابوية اللاعلمية Dogmatie ، في حين كان والد غاليليو يرى أنه ما من أسباب تمنع تشجيع تبادل الأفكار الر، لذلك لا شك أنه نقل حماسه للنقاش الحر في أي ميدان إلى ابنه غاليليو الذي تلقى ، وهو بعد فتى ، تعليمه الأول في دير فولومبروزا Vollombrosa قرب فلورنسا ، ثم درس الرياضيات في جامعة بيزا. ويعد ما عمل محاضراً في أكاديمية فلورنسا ، بدأً يدرس الرياضيات في جامعة بيزا في عام 1592 وكانت السنوات الثانية عشر التي قضاها في الكلية في بيزا هي أخصب حقبة في حياته ،


فقد تابع فيها عدداً من التجارب التي برهنت على عيوب فيزياء أرسطو، مثل الاعتقاد بأن حركة الجسم لا يمكن أن تستمر إلا إذا ظل على تماس مع القوة المسيرة له، إذ أظهرت دراسات غاليليو في الميكانيك أن الجسم لا يتوقف عندما تزول عنه القوة المسيرة، بل يتباطاً بمعدل يتوقف على مقدار الاحتكاك الذي يلاقيه ، وهذه النتيجة هي التي أوصلته مباشرة إلى مفهوم العطالة. وأثبت غاليليو كذلك أنه لو لم يكن هناك احتكاك جوي للأجسام الساقطة لسقطت جميعها بسرعة واحدة. وتروي الأسطورة المتداولة أن غاليليو أسقط عدة أشياء ذات أوزان مختلفة من قمة برج بيزا المائل لكي يثبت خطاً الرأي الذي تشبث به أرسطو وهو أن الجسم الأثقل يصل الأرض أولاً، ولكن ما من وثيقة تثبت أنه أجرى فعلاً تجارب كهذه.




ويمكن أن نذكر من اكتشافات غاليليو العلمية : تساوي مدد اهتزازات النواس وميزان توازن السوائل و مبادئ التحريك (الديناميك) وفرجار التقسيم التناسبي وميزان الحرارة قام بعدة تحسينات في تكوين المقراب ، وأثبت أنه باحث لا مثيل له في أرصاد سطح القمر والأقمار المشتري والأطوار الزهرة . وكانت دراسته المتأنية الرصينة لتجاعيد سطح القمر هي أولى المناسبات التي دعت غاليليو لأن ينفر من التزمت الديني ، فقد رأى من خلال مقرابه ما بدا أنه » بحار مظلمة وأرض مضاءة قارات ومحيطات وقمم جبلية تعلو في ضوء المصباح ووديان تنحدر تدريجيا في الظلال .


فلم يفت غاليليو أن يرى وجه الشبه الواضح في هذا مع جغرافية الأرض، ٤لم يتردد في التفكير بأن الأرض والقمر يتألفان من مادة واحدة ، فكانت هذه نتيجة خطرة، لأن الاعتقاد السائد آنذاك هو أن الأ تحتل مكاناً مركزياً في الكون وأنها لذلك يجب أن تكون من مادة لا توجد في مكان آخر. ثم إن غاليليو كان يفضل نظام كوبرنيق القائل بمركزية الشمس، وكان يساوره الظن بأن الأرض هي أصغر كوكب في المجموعة الشمسية، لذلك بات مقتنعاً بأن وجهة نظر السلطة الدينية عن الكون خاطئة.





وكان رجال الكنيسة مطلعين على آراء غاليليو، فلم تغب عن بالهم شكوكه فيما يتصل بفلسفة أرسطو، إذ كانت هذه الشكوك تمثل تحدياً لوحدة الكنيسة الفكرية، وم تكن الكنيسة نفسها تميل إلى أن تتساهل مع وجهات النظر المعارضة، لاسيما أنها كانت تواجه آنذاك تحدي حركة الاصلاح البروتستنتي ، وكان كثيرون يظنون في الحقيقة ، أن اتقادي في حرية الفكر ساهم في الانشقاق، لذلك لم تقدم الكنيسة على التسامح مع أي تحد إضافي لمعتقداتهم، وكان غاليليو على علم بهذا الموقف وما يخفف من حماسه لنظام كوبرنيق سوى اعتقاده بأن دفاعه عن مركزية الشمس يعرضه للعقاب من قبل المؤسسة الدينية، وهذا ما يتضح من رسالته عام 1597 إلى يوهانس كبلر :


.... كنت لسنوات أيد وجهة نظر كوبرنيق التي تفر لي أسباب كثير من الظواهر الطبيعية التي ظلت بدون أي تفسير إطلاقاً ضمن حدود الفرضيات الشائعة المسلم ها. ولكي أفدت هذه الفرضيات الأخيرة جعت العديد من الاثباتات، ولكني لا أجرؤ على إطلاع الجمهور عليها علناً خوفاً من أن يصبح مصيري كمصير معلمنا كوبرنيق الذي أصبح في رأي عدد لا يحمى من الناس (وهكذا أصبح عدد ي)جة ومدناً لك والسرية، على أدغم من أن شهي نقر المديد ستظل خالدة


وقد تأيدت تحفظات غاليلو بعد ذلك عندما أحرق جيوردانو برونو Geordano Bruno على Campodei Fiori السفود (الخازوق ) عام 1600 بتهمة الهرطقة. وكان قبل موته في كامبو دي فيوري قد أمضى ست سنوات في السجن بأمر من سلطات التفتيش التي عاقبته بالسجن والموت لأنه رفض أن ينكر آراءه الفلسفية التي كانت تقوم على اعتقاده بأن الكون لا نهاني وأن فيه عدداً لا نهاية له من العوام. وكان قول برونو بأن الكون لا مركز له وأن فيه العديد من العوالم يعد تحدياً مباشراً لنظرية مركزية الأز. ولكن دفاع برونو ، الذي م يعرف اللين أبداً، عن هذه الآراء التجديفية وضع حداً لحياته. ومع ذلك فإن ثمة خلاناً بين برونو وغاليلو، وهو أن الأول بنى نظرية كونية تتعارض مباشرة مع صورة العالم التي رممتها التوراة، في حين لم يكن غاليلو مستعداً لأن يؤول نتائج نظرية كوبرنيق بطريقة تخالف المسيحية .

كان (غاليليو) طيلة حياته مقتنعاً بأن فكرة شمس ثابتة وأرض متحركة متناسقة كلياً مع التوراة لو أنها قرئت بدقة وإمعان. وليس ثمة ما يظهر أن غاليليو كان يوماً يعافي من صراع مع شعوره الديني ، بل لقد تبين أنه لم يكن فحسب أول من بذأً عصر العلم الحديث ، وإما كان أيضاً أول ممثل لتلك الفئة من العلماء الذين لم يجدوا صعوبة في التوفيق بين العلم وإمكان التدخل من قبل مؤثرات خارقة عن الطبيعة").

بمعتقدات غاليليو الدينية لم تثنه عن إيراد الحجج المؤيدة لنظرية كوبرنيق، ولكن جهوده كلها أخفقت في تجنب اعتراضات الكنيسة وولجه إليه اللوم من قبل محكمة التفتيش عام i616، ك6 أمر بعدم التمسك بنظرية مركزية الشمس، وعدم تعليمها أو الدفاع عنها. ولما كان غاليليو رجلاً عملياً أكثر ما كان عليه جيوردانو برونو، فقد رأى أن الاستشهاد على سفود ليس فيه سوى مصلحة شخصية تافهة، لذا وافق على الالتزام بشروط حكم التأنيب. وم ينشر غاليليو أي شيء حتى عام 1623 عندما تسنم صديقه الكاردينال بريريني Berberini كرسي البابوية باسم أوربان الثالث Urban. وكان غاليليو يعتقد بأن أوربان سيكون نصيراً للفنون والعلوم، غير أن هذا لم يستطع أن ينقض القرار المنافي لمركزية الشمس، ومع ذلك 1م يحزم مناقشة النظرية على أنها فرضية تأملية %" ، وعندما نشر غاليليو كتابه »حوار حول النظامين الكونيين الرئيسيين« ، عام 1632 ، دعماً للنظرية المدانة، أهداه لأوريا وقدم للكتاب ببيان مسهب يدي فيه إخلاصه للكنيسة .





وعلى الرغم من أن غاليليو كان حتى ذلك الحين حريصاً عل ألا يعرض نظرية كوبرنيق إلا على أساس أنها بديل محتمل النظرية المقبولة ، فإن تحيزه كان واضحاً فيما ورد في كتابه (حوار). وكان لغاليليو أعداء في المقر البابوي، فخافوا أن يستمر اضمحلال فلسفة أرسطو، لذلك أقنعوا محكمة التفتيش بأن غاليليو لم يلتزم بشروط حكم التأنيب .لعام 1616 ، فلم تجد المحكمة بداً من أن تأمر غاليليو عام 1632 بالقدوم إلى روما لكي يواجه التحقيق. ووصل غاليليو إلى روما في شباط/ فبراير عام 1633 ، وتم استجوابه هناك بعد أربعة أشهر متهماً بأن نشر كتابه (حوار) هو خرق لقرار غام 1616 ، ثبتت عليه التهمة الموجهة إليه، والحكم عليه بالسجن. ٤ أجبر على الركوع واستنكار اعتقاده بأن الأرض تتحرك حول الشمس. ويقال أن غاليليو تمتم بصوت مهموس عبارته (Epur si muove) أي (ومع ذلك فإنها تتحرك)، مع أنه وعد بألا يتحدى نظرية مركزية الأرض . ولكن مع لغاليليو بأن يعود إلى منزله في فلورنسة، حيث ظل خاضعاً للإقامة الجبرية طيلة السنوات الثانية الأخيرة من حياته، وم يكن أمامه أي خيار سوى أن يحجم بعد ذلك عن معارضة الجمهور. ومع هذا، فقد تابع تجاربه العلمية طيلة ذلك الوقت، { تدبر أمره لتهريب نسخة من كتابه (حوار) إلى خارج البلاد، حيث أمكن تركته إلى اللغة اللاتينية· .


لقد ساهم غاليليو، كما أشرنا سابقاً، بدور حيوي بالغ الأهمية في إرساء بواكير العلم الأولى على أساس وطيد من التجارب والملاحظات بدون أن ينسى في الوقت نفسه تطهير العلم من التأملات الفلسفية التافهة ولا سيما في مجال الميكانيك، فهذا العلم، علم الميكانيك، نشاً من Dynamics وعلم التحريك Kinematics دراسة الحركة التي تطورت على مرحلتين علم الحركة أما علم الحركة فهو يدرس حركة الأجسام دون أن يتحرى عن الأسباب الكامنة وراء هذه الحركة ، وأما علم التحريك فهو يدرس القوى بصفتها سبباً في تغيير حالة الجسم الحركية ، وعلى هذا فإن علم الميكانيك لم يتطور تظوراً تاماً إلا عندما نشر نيوتن قوانينه الثلاثة عن الحركة، التي بدونها ما كان مكناً للديناميك أن يتطور، ولكن غاليليو كان قد أسس مسبقاً دراسة الحركة بصفتها علماً


والحقيقة أن دراسة الميكانيك نشأت عن حاجتنا إلى فهم بعض الظواهر العلمية ، مثل تطاير القذائف (كالأسهم، وطلقات البنادق ، وقنابل المدافع) أو تسيير المركبات أو حركة الحيوانات أو طيران الطيور. وكان ليوناردو دافنشي قد ركز على دراسة الميكانيك لأنه في نظره أرق العلوم، ويمكن تطويعه للصياغة الرياضية والاختبار. ولذلك ليس غريباً أن يشغل غاليليو نفسه، وهو الذي كان خلف دافينيثي الفكري، بدراسة الميكانيك أكثر من أي جانب آخر في الفيزياء، ولكنه كان يشعر بفطرته أنه لا يمكن الميمنة على دراسة الميكانيك ما لم تفهم طبيعة الحركة نفسها فهماً شاملاً.



وكان التقدم الذي تحقق منذ أيام أرسطو في دراسة الحركة .قليلاً جداً، فالفكرة التي كان قد أدخلها أرسطو، والتي تبدو معقولة جداً، هي أن الجسم لا يمكن أن يتحرك إلا إذا دفع أو سحب بقوة من نوع ما. وهذا القول كان مقبولاً بوجه عام بصفته حقيقة واضحة لأن الناس كانوا يعرفون من تجربتهم مباشرة أن الأشياء لا تتحرك على الأرض إلا إذا دفعت أو سحبت ، وكان الجهد الجسماني ضرورياً لإبقاء الجسم في حالة حركة. ولكن تصور أرسطو هذا أدى إلى إثارة بعض الصعوبات في دراسة حركة الكواكب، لأنها كانت تبدو متحركة من دون أن يكون ثمة ما يدفعها أو يسحبها . أما المدرسون وSeolasti اللاهوتيون فقد حلوا هذه المشكلة بأن أوكلوا، وبكل بساطة ، أمر كل كوكب لملاك يحافظ على حركته في مداره السماوي المخصص له. غير أن ثمة اعتراضاً وجه إلى هذا التصور هو، ٤ أعلن عنه في البدء جماعة القائلين بالدفعة (الأولى) والذين أتوا بعد ولم أوكام ، أن الله كان قد أعطى كل جرم سماوي زخماً جعله يثابر بعد ذلك على حركته. وكانت تلك طريقة سهلة للخروج من المأزق بدون إغضاب الكنيسة ، ولكنها لا تضيف شيئاً إلى فهم الحركة. وهكذا ظل الميكانيك متعثراً طيلة هذا الوقت من دون أن يتقدم إلى أبعد من مرحلة المناقشات ، إلى أن بدأً غاليليو إخضاعه للاختبارات التجريبية، و بصياغة نظرية رياضية للحركة .




وكان غاليليو ثاني عالم عظم بعد يوهانس كبلر يدرك أهمية الرياضيات في تطوير مبادئ الطبيعة وقوانينها ، وبدأ هو نفسه بمهمة تطبيقها في دراسة الظواهر الفيزيائية ، حاولا بذلك إثبات أن كل ظاهرة فيزيائية مشتملة على خواص قابلة للقياس يمكن أن تصاغ صياغة رياضية ، بل لقد ذهب إلى أبعد من هذه الفكرة بأن نبه إلى أن صياغة مسألة ما صياغة رياضية يمكن أن تؤدي، مع استخدام بعض المعالجات الرياضية، إلى نتائج ما كان من الممكن ملاحظتها مباشرة في الظواهر نفسها. وهذا هو طبعاً أساس معظم الاكتشافات الحالية ({ كانت منذ عهد نيوتن) .


وقد طبق نيوتن مهاراته الرياضية في بادئ الأمر على مسألة التكبير والتصغير في المقاييس، التي ما تزال تطبق حتى اليوم على نطاق واسع في جميع فروع الهندسة والعلم، إذ لاحظ أن أبعاد الدعائم (كقوائم الفيل مثلاً) في بنائين متشابهين (أي مكونين من تركيب كيميائي واحد وكثافة واحدة) لا تتناسب مع مقياس الأبعاد نفسه للبناءين: فمثلاً، إذا كان حجم (أو ضخامة) البناء الأكبر خمسة أمثال الأصغر، فإن ثخن دعائم الأكبر يجب أن تكون أكثر من خمسة أمثال مثيلاتها في الأصغر، والسبب في ذلك هو أن وزن البناء يتزايد مثل تزايد حجمه، وبالتالي مثل مكعب ارتفاعه (أي أن وزنه يزداد بمقدار 125 مثلاً إذا زاد الارتفاع إلى خمسة أمثاله). ولكن قوة التحمل، من جهة أخرى ، تتعلق فقط بمساحة مقطع الدعامة العرضاني ، أي أن قدرة الدعامة علل التحمل تزداد مثل مربع الارتفاع رأي 25 مثلاً فقط). وهذا يعني أن قوة التحمل تنقص خمس مرات عما يلزم فيما لو زدنا أبعاد البناء إلى 5 أمثالها ، لذلك إذا زيدت أبعاد البناء إلى 5 أمثالها، فإن دعائمه يجب أن تزداد أقطارها رأي ثخنها) بنسبة تساوي على الأقل الجذر التربيعي للعدد 125 .



ولكي يدرس غاليليو حركة سقوط الأجسام الحر رأي الحركة التي لا يعوقها أي نوع من المقاومة)، رأى أن عليه أن يأخذ في الحسبان مقاومة الهواء التي تعيق السقوط الحر. وما لم يكن لديه فراغ (خلاء) ليجري فيه تجاربه ، فقد قرر إجراء التجربة على كرات معدنية صغيرة ذات كتل مختلفة. ولما كانت مقاومة الهواء لحركة الجسم تتوقف على مساحة الجسم المواجهة لجريان الهواء، فإن الكرة تعاني مقاومة أقل مما يعانيه أي جسم آخر ذي شكل مختلف له الكتلة نفسها. وهكذا ك6ن علل غاليليو، بعد قناعته الراسخة هذا الأمر، أن يبتكر طريقة ليتابع بالتفصيل حركة سقوط الجسم سقوطاً حراً حالما يسقط، وهي طبعاً حركة يستحيل متابعتها إذا سقط الجسم شاقولياً، لأن الأمور تجري عندئذ بسرعة فائقة. لذلك لجاً غاليليو إلى تذليل هذه الصعوبة بأن جعل كرته المعدنية تتدحرج نازلة علل مستويات مائلة ملساء جداً .



وما كان غاليليو يسعى إلى اكتشافه هو: كيف يغير جذب الثقالة (الشاقولي دوماً) حركة جسم ساقط، وهل تتأثر حركات الأجسام كلها بالطريقة نفسها؟ لذلك ترك أحجاراً ذات أوزان مختلفة تسقط من الارتفاع نفسه، فبدا له أنها جميعاً تصطدم بالأرض في وقت واحد. غير أن هذه الملاحظة العرضية لم تكن بالنسبة له مقنعة قناعة كافية ، لذلك ابتكر تجرية المستوي المائل لكي يجري قياسات دقيقة، إذ إن الكرة لا تتأثر لدى تدحرجها على المستوي المائل بكامل جاذبية الثقالة ، بل تتأثر فقط بجزء منها هو ذاك الذي في اتجاه المستوي المائل أو الموازي له. وكلما ازداد انحدار المستوى المائل ازداد تأثير جاذبية الثقالة في اتجاه ميله ، فتزداد قيمتها من الصفر (عندما يكون المستوى أفقياً) إلى حدها الأقصى رأي قيما كاملة) عندما يكون المستوى شاقولياً. لذلك ، كان باستطاعة غاليليو إذا قلل من انحدار المستوى المائل أن يجعل الكرة تتدحرج على المستوى بالبطء الذي يرغب فيه أو ببطء كاف يتيح له القيام بأي قياس يشاء، وأن يقدر زمن الحركة بدقة وعناية فإذا جعل الانحدار ٩45 فإنها تهبط إلى نصف جذر العدد 2 التربيعي من قيمها الكاملة، وتهبط إلى نصف جذر العدد 3 التربيعي من قيمتها الكاملة إذا جعل الانحدار 60° درجة .



وقد لاحظ غاليليو عدداً من الملاحظات الهامة التى أصبحت بعد ذلك بحسب صياغتها في قوانين نيوتن الثلاثة للحركة أساساً ميكانيكا نيوتن. وأول هذه القوانين قانون العطالة كان نتيجة مباشرة لدراسة غاليلي للحركة إذ لاحظ أن سرعة الكرة في أثناء هبوطها على المستوي المائل تزداد زيادات متساوية في مدد زمنية متساوية ، ولكنها ما أن تترك المستوي المائل وتتحرك على المستوي الأفقي الأملس حتى تظل سرعتها ثابتة، وبذلك أثبت تجريبياً بطلان فكرة أرسطو القائلة: عندما تؤثر قوة في جسم ، فإن عملها يقتصر لإبقائه متحركاً بسرعة ثابتة؟ إذ أثبتت تجارب المستوي المائل أن قوة الثقالة الثابتة في اتجاه المستوي المائل تزيد من مرعة الكرة المتدحرجة عليه ، أي أن تأثير القوة يغير من سرعة الجسم ر{ هو شأن الحركة وفق المستوى المائل)، في حين أن غياب القوة (كحالة الحركة في المستوي الأفقي) يعني بقاء السرعة ثابتة . وهكذا قرن غاليليو التسارع (أي تغير السرعة) بفعل القوة .



وقد استنتج غاليليو من مشاهداته الكرات المتدحرجة عدداً من النتائج الرياضية ، فبين أول ما بين ، أن سرعة الكرة المتدحرجة تزداد باستمرار مع الزمن، وأن معدل هذه الزيادة في السرعة (التسارع) هو نفسه بالنسبة إلى جميع الكرات بغض النظر عن أوزانها أو حجومها بحيث أن جميع الكرات التي تبدأً من قمة مستو مائل تصل كلها إلى الأسفل بالسرعة نفسها. أن غاليلي برهن رياضياً أن المسافة التي تهبطها الكرة على طول المستوى تتناسب مع مربع زمن الهبوط، وأن مربع سرعة الكرة عند أي نقطة من المستوي المائل تتناسب مع بعد هذه النقطة على طول المستوى عن قمته (أي النقطة التي بدأت منها الكرة حركتها)، ثم استنتج من هذه العلاقات الرياضية البسيطة أنه إذا سقط أي جسم (بغض النظر عن وزنه) سقوطاً حراً في الفراغ، فإن سرعته تزداد بما يقرب من 32 قدماً في الثانية كل ثانية (تسارع الثقالة). أشار علاوة على ذلك إلى أن السبب في توقف الكرة على المستوى الأفقي في النهاية يرجع إلى أن هذا المستوي ليس أملس تماماً، فكلما ازدادت نعومة المستوى وملامسته ، ازدادت المسافة التي تتدحرج الكرة عليه ، واستنتج من ذلك أنه إذا صار المستوي أملس تماماً ظلت الكرة متدحرجة عليه إلى الأبد (مفهوم العطالة). ثم أضاف ملاحظة هامة أخرى : إن سرعة الكرة عند أسفل نقطة من جميع المستويات المائلة هي نفسها مهما اختلفت أطوال هذه المستويات ، بشرط أن تكون قمة هذه المستويات على ارتفاع واحد عن الأرض،


أو بعبارة أخرى: إن سرعة الكرة عند أسفل المستوي المائل تتعين بارتفاعه فقط عن الأرض. إن هذه الملاحظات والاستنتاجات ، مهما بدت لنا بسيطة الأن ، هي التي مهدت لبداية علم الميكانيك .


وقد مضى غاليليو إلى أبعد من نجاريه في دحرجة الكرات على المستويات الماثلة، فطبق دساتيره الرياضية عن الحركات على تحليق قذائف من قبيل قذائف المدفعية فكان تطبيقه هذا آنذاك مهماً جداً. وقد برهن أنه إذا أطلقت قذيفة بأي زاوية كانت مع الأرض، فإن مسارها يكون قطماً مكافاً، لأن حركتها في أثناء تحليقها مركبة من حركتين : حركة أفقية وحركة شاقولية . وما كانت السرعة الأفقية للقذيفة ثابتة ، فإن المسافة الأفقية التي تقطعها من نقطة انطلاقها تزداد (متناسبة) مع الزمن في حين تتناقص سرعتها الشاقولية إلى أعل باستمرار مع الزمن ، ولذلك فإن ارتفاعها عن الأرض يتغير مع مريع الزمن. وهكذا برهن غاليليو، بعد أن جمع مركبتي حركة القذيفة الأفقية مع الشاقولية ، على أن مسار القذيفة في تحليقها هو قطع مكافئ وأن مدارها يبلغ حده الأعظمي عندما تقذف بزاوية 45" مع الأض .


ولم يقتصر غاليليو في بحثه العلمي عل الميكانيك بل لقد استخدم عقله، الشديد النشاط والمحب للبحث والتحقيق، في العديد من المسائل التقنية والعلمية، وأظهر في كل وجه من أوجه عمله قدرة الرياضيات على التنبؤ إذا ما ضمت إليها المبادئ العلمية الصحيحة. ففي دراسته للحرارة ، طور أول مقياس ( محرار) لقياس درجة الحرارة، ٤ استفاد من اهتزازات النواس في قياس الزمن، إذ إنه كان قد نبه إلى أن تواتر النواس (أي عدد اهتزازات في زمن معين) يتوقف على طول النواس فحسب، وليس على سعة الهزة، بتقريب أول جيد: وقد استخدم النواس في معرفة معدل نبض القلب وأشار إلى أهمية مثل هذه القياسات في التشخيص الطبي .



غير أن شهرة غاليليو اليوم تقوم إلى حد بعيد على مقرابه الفلكي الذي غير حال الفلك من علم يخطئ مرة ويصيب أخرى إلى نظام رصد وصفي دقيق ، فاقت دقته أضعافاً كثيرة ما كان عليه فلك العين المجردة. ذلك لأن فلك ما قبل المقراب كان يعتمد على أدوات من قبيل ذات الربع والكرة ذات الحلق ومسطرة زاوية اختلاف المنظر ، وهي الأدوات التي استخدمها تيخو براهه القيام بأرصاد الرائعة. ولكن ما أن غرف القراب الفلكي حتى اختفى الفلك الوصفي القائم على العين المجردة، واختفت معه أدواته. وكان غاليليو قد قام بأربعة أرصاد هامة بمقاربة أقنعته ، بما لا يقبل أي شك، أن نظام كوبرنيق هو الصحيح وأن النظام البطليمومي كان خطأً وذلك للأسباب التالية : إن سطح القمر مليء بالحفر والتضاريس وليس منتظماً أبداً، مما يطل الفكرة القائلة بأن الأجرام السماوية »كاملة«، إن أوجه (أطوار) الزهرة وأوجه القمر متشابهة ، مما يثبت أن الزهرة تدور حول الشمس لا حول الأرض، إن هناك أربعة أقمار (توابع) تدور حول المشتري، فهي نموذج مصغر يوضح نموذج كوبرنيق للنظام الشمسي، إن درب التبانة يتألف من العديد من النقاط المضيئة التي فسرها غاليليو تفسيراً صحيحاً بأنها نجوم بعيدة جداً.