نيوتن وفيزياؤه - Newton Physics

يذكرنا إقليدس بالجليد الصافي، ويعجبنا نيوتن مثلما تعجبنا قمة جبل تاريف، وحتى أشد الجهود وأسمي انتصارات العقل المجرد، تبدو كأنا تحملنا إلى أرض. غير أراضينا، فتوه في مجاهل الفكر المحض ويصاب تفكير الإنسان ومحاكمته بالجمود والتجريد

ولتر باجوت





ولد السير إسحق نيوتن (1642-1727) يوم عيد الميلاد بعد وفاة والده بثلاثة أشهر. وقد مي باسم والده، الذي كان معاوناً زراعياً للسيد حنا أيسكوف Hanna AyscouGh في وولثورب في مقاطعة لنكولن شر nshireاLinco ، ومع أن المولود كان هزيلاً عليل الصحة، إلا أنه نجح في أن يظل على قيد الحياة وأن ينشاً قوياً وإن لم يتمتع قط بصحة ممتازة. وم يعش إسحق طفولة سعيدة ، لأن والدته تزوجت قبل أن يبلغ السنتين من عمره من قس بروتستنتي ثر يدعى بزنابا سميث ، فتركت إسحق في رعاية جدته وانتقلت إلى القرية المجاورة التي كان يعيش فيها زوجها لكي تساعده في تربية أطفاله الثلاثة. وهكذا ظل إسحق منفصلاً عن والدته قرابة تسع سنوات إلى أن توفي زوج أمه عام 1653 .


وقد أثر غيابها عل الأرجح تأثيراً حاداً في نشأة إسحق وفي شخصيته، بل ولا شك أنه كؤن موقفه من النساء عامة. لذلك م يكن له معهن شأن يذكر في حياته كلها وم يتزوج أبداً . وفيما عدا قصة حب عابرة في شبابه كان اهتمامه منصباً بكليته على عمله، وإلى مدى أقل، على منتقديه ، إذ »إن الشعور الحاد بعدم الأمان الذي جعل القلق يسيطر عليه لدى نشره أعماله والعنف اللامعقول الذي كان يدافع به عنها، لازمه طيلة حياته كلها، بل ويكن تتبع آثارهما حتى سنواته الأول ٠"


.

وليس في طفولة نيوتن المبكرة ما يدل دلالة واضحة على قدراته العقلية ، فقد كان طفلاً عباً للاستطلاع وتلميذاً متوسطاً في المدرسة الثانوية في غرانتام ، وكان ينفق من الوقت في أحلام اليقظة في قاعة الدرس أكثر مما كان ينفقه في مراجعة الدروس . وكان يفضل البقاء وحيداً مع نفسه أكثر من مصاحبة الآخرين، ونادراً ما كان يمارس الألعاب والرياضة مع الأولاد الآخرين، إذ كان مزاجياً متوتر الأعصاب جداً، ولكنه كان يخلد إلى تفحص أفكاره، وقد أظهر فعلاً بعض البراعة الميكانيكية » فصنع أدوات ألية من تصميمه مثل طائرة ورقية ومزولة وساعة مائية ، وهلم جرا "".


ويعد موت زوج أمه ، دعته والدته ليدير الملكية الكبيرة التي الت إليها. فلم تدم هذه المهمة طويلاً، إذ أثبت نيوتن عند إدارته لهذه المزرعة أنه لا يصلح لذلك إطلاقاً، وأنه غير قادر على التلاؤم




مع العمال الزراعيين، فضلاً عن أن اهتمامه بالأمور الزراعية كان ضعيفاً. وكان من محاسن الصدف أن خاله أقنع والدته بضرورة إعادة نيوتن إلى المدرسة في غرانتام لكي يدرس فيها اللاتينية والحساب ، ويهيئ نفسه لصعوبات التعلم الجامعي. وكانت نتائج أعمال نيوتن في مواضيع دراسته كافية لقبوله في كلية ترينيتي في كمبردج حيث حصل على شهادة القبول في عام 1661 ، أي عندما بلغ الثامنة عشر من عمره .


وكانت جامعة كمبردج في ذلك الوقت ، مثل غيرها من الجامعات ، لا تزال غارقة في تعاليم أرسطو ومذهبه ، على الرغم من أن انتساب نيوتن إليها جاء بعد أن كان كوبرنيق وكبلر وغاليليه قد أسهموا إسهاماً عظيماً في العلم الحديث. لذلك قلما كان يدور النقاش عن نظام كوبرنيق القائل بمركزية الشمس أو عن ميكانيك غاليليه، وكان عل نيوتن وزملائه في الدراسة أن يتلقوا بدلاً من ذلك دروساً عن أعمال أرسطو وأفلاطون وعن النظرة الشائعة آنذاك وهي أن الأرض مركز الكون، على الرغم من تزايد اتضاح عدم واقعيتها. غير أن نيوتن كان قد اجتذبت أعمال فلاسفة الفيزياء، من أمثال رينيه ديكارت R.Deacartes الذي » كان قد بدأ بصياغة مفهوم جديد عن الطبيعة يصورها شيناً معقدا غير شخصي، وآلة عاطلة% بل إن تأثير ديكارت في نيوتن كان هائلاً، لأن ديكارت ، بحلاف أرسطو، »كان ينظر إلى الواقع الفيزيائي عل أنه ليس سوى جسيمات مادية متحركة باستمرار«، » ويعتقد بأن جميع الظواهر الطبيعية تنشاً عن تأثير هذه الجسيمات بعضاً في بعض تأثيراً آلياً.





هذا فضلاً عن أن نيوتن وقع تحت تأثير الرياضي إسحق بارو Isaak Barrow الذي كان أول من تعزف ألمعية نيوتن وشجعه على اهتمامه بالرياضيات، ا لفت انتباهه إلى دراسة البصريات فعمل نيوتن أثناء سنتيه الأخيرتين في كمبردج على تقوية مهاراته الرياضية، وظل يتابع في الوقت نفسه دراسة أعمال علماء النهضة وفلاسفتها، بدأ أيضاً بصياغة مفاهيمه التي غدت ،' فيما بعد، أسس إسهاماته المنقطعة النظير في العالم. غير أن الجهود الكبيرة التي بذلها في دراسته الخاصة، جعلت دراسته الأادعية المطالب بها غير متميزة. لذلك: »عندما نال نيوتن شهادة البكالوريوس في نيسان /أبريل عام ١1665، مرت أعظم موهبة في تاريخ الجامعة التعليمي، بدون أن يأبه لما أحد لأن نيوتن » كان قد بحث في الفلسفة الجديدة والرياضيات الحديثة حتى لكأنه صانعه في حين قصر تقدمه في دراسات عل مذكراته الجامعية .


وفي عام 1665 تفشى وباء الطاعون في لندن، مما دفع بنيوتن إلى مغادرة كمبردج والعودة إلى بيته في وولشورب حيث قضى العامين التاليين متأملا الإنكار التي بدأ اهتمامه بها حين كان في الجامعة عن المكان والزمان والحركة: 1 ومن المسلم به أنه ك6ن ، حين عودته إلى كمبردج (عام 1667)، قد أرمى نهائياً أسس أعماله في المجالات الكبيرة الثلاثة التي اقترن ها اممه إلى الأبد، وهي حساب التفاضل والتكامل وطبيعة الضوء الأبيض والتثاقل (حقل الثقالة) الكوفي وما يترتب عليه من أمور«. اكتشف أيضاً نظرية ذات الحدين (الحدانية). بل إنه ١أثناء هذه المدة نفسها، كان قد تفحص عناصر الحركة الدائرية واستنبط من تطبيق تحليله على القمر والكواكب، علاقة التربيع العكسي التي تقول إن القوة المركزية (الموجهة وفق نصف القطر المتجهي) التي تؤثر في الكوكب ، تتناقص متناسبة عكساً مع بعده عن الشمس أي تلك العلاقة التي غدت بعد ذلك قانوناً حاسماً.


ففي هذين العامين الرائعين اللذين قضاهما نيوتن في وولثورب، أوصل أعمال غاليليه وكبلر إلى استنتاجاتهم المنطقية، وصاغ القوانين الفيزيائية اللازمة لتفسير ديناميكية كون ميكانيكي . فطغت إنجازاته العلمية على علم القرنين التاليين وعل فلسفتها. حتى ليصعب على المرء أن يفهم كيف أمكن لشاب ناشىء في سنه أن ينجز هذه الأعمال الفذة في مدة قصيرة كهذه، بيد أن مفتاح الإجابة عن ذلك، كامن في أن ألمعية نيوتن تقوم على قدرته التي لا تجارى على التركيز.


كانت موهبته التي تميز بها هي قدرته على إبقاء المشكلة الفعلية المحضة حية في ذهنه إلى أن تتضح له حقيقتها بلا لبس أو غموض، ويخيل لي أن تفوقه يرجع إلى أن قوى الحدس والبصيرة لديه لم يوهب بمثل شدتها وجلدها إنسان على الأطلاق. فكل من فكر يوماً ما تفكيراً علمياً عضاً أو فلسفياً يعرف كيف يمكن للمرء أن يقي مشكلة ما في ذهنه لحظة من الزمن وكيف يستجمع كل قوى التركيز لديه لكي بنفذ إلى حقيقتها ، وكيف أن هذه المشكلة تتلاشى وتفلت ، وسيجد أن ما هو بصدد تقديره مجرد هباء. وإف لأعتقد أن نيوتن كان قادراً على إبقاء مشكلة ما في ذهنه ساعات، بل أياماً وأسابيع، إلى أن تسلم له مرها المكنون ، وأنه كان باستطاعته عندئذ، وهو الذي كان يتقن الرياضيات إتقاناً فائقاً، أن يعطيها مظهرها المنطقي اللائق بها قدر ما يشاء لكي تصبح صالحة للعرض ، غير أن تفوقه الحقيقي الخارق كان في حدسه وبصيرته إذ يقول دي مورغان De Morgan ا كان موفقاً جداً في تخميناته« »حتى لقد كان يبدو أنه يعرف أكثر مما مكن أن يكون قادراً على توفير وسائل برهانه .


كانت نظرية نيوتن في الثقالة تعتمد على نظريته القائلة »إن معدل سرعة السقوط تتناسب مع شدة قوة التثاقل ، وأن هذه القوة تتناقص تبعاً لمربع المسافة عن مركز الأرض ". إذ قادته مشاهدته سقوط تفاحة من شجرة على الأرض، عند إقامته في وولثورب ، إلى أن يستنتج أن الأرض تجذب التفاحة باستمرار حتى حين تكون عل الأز. وهذه الفكرة ، بأن الأرض تجذب الأشياء القريبة من سطحها ، لم تكن جديدة، إلا أن نيوتن كان أول من قال بأن هذه القوة التي تسبب سقوط التفاحة على الأرض، هي نفسها القوة التي تبقي القمر في مداره حول الأرض، وتبقي الأرض في مدارها حول الشمس. ولكن ما وضحه قانون التربيع العكسي رياضياً، هو كيف أن قوى التجاذب بين جسمين تتوقف على كتلتيهما وعلى المسافة بينهما.





بين هذا القانون أيضاً النتيجة التي توصل إليها نيوتن، وهي أن قوة التثاقل الأرضي لا تتميز بأي شيء خاص بها، وإنما يمكن أن نجدها ناشئة عن جميع الأجسام في العالم. ولم يكتف نيوتن بأن وحد ميكانيك كبلر وغاليليو وأكمله بل ين أيضاً أن حركات العالم الديناميكية يمكن أن توصف بعلاقات رياضية أساسية تصلح في أي مكان في هذا الكون. حتى لقد أعطت فائدة الرياضيات المؤكدة هذه الفلسفة الطبيعية (ا كانت تسمى الفيزياء آنذاك) أساساً نظرياً قائماً بذاته لم يكن لها مثله من قبل قط .


وكان ثاني إنجازات نيوتن العظيمة تجاريه في الضوء النظرية الجسيمية التي كونها عنه. فحين كان في وولثورب قام بتجارب على الموشور، ولاحظ أنه عندما يمر شعاع ضوئي عبر موشور »كان ينكسر، ولكنه يتجزأً إلى أجزاء تنكسر بانحرافات مختلفة ، وأن الحزمة التي تسقط على الحاجز ليست مجرد بقعة متسعة من الضوء، وإذا هي شريط ذو ألوان متتابعة مرتبة حسب ترتيب ألوان قوس قزح المألوفة: الأجر، البرتقالي ، فالأصفر، فالأخضر، فالأزرق، فالبنفسجي "". وحين كان يمر الضوء عبر موشور ثا (مقلوب بالنسبة للأول)، كانت الألوان تعود وتتحد لتكون حزمة بيضاء، فسقته هذه التجارب إلى استنتاج أن الضوء الأبيض يتكون من جميع ألوان قوس قزح، وأرشده ثبات المركبات اللونية الظاهري للضوء الأبيض إلى تكوين نظرية جسيمية للضوء، إذ واعتقد أن الأشعة الإفرادية (وهي برأيه جسيمات من قدر معين) تثير عندما تسقط على شبكية العين إحساسات بألوان إفرادية ٢"". ومع أن زملاءه قبلوا بعد ذلك، بوجه عام ، نظريته أن الضوء يتألف من جسيمات غاية في الصغر، إلا أن عدداً من المعارضين، مثل كريستيان هويغنز Christian Huyeens ، كانوا يحاجون بأن الضوء يتألف من أمواج. غير أن نيوتن كان يرد على ذلك بأن الضوء، لو كان تموجياً، لكان يجب أن ينعطف (ينعرج) عند الظلال ، على نحو ما ينعطف الصوت حول الحواف ويصبح مسموعاً. وكان نيوتن علل حق في فكرته هذه ، وم يمض سوى سنوات حتى أثبتت تجارب أكثر دقة بأن الضوء ينعطف فعلاً، وأنه لذلك يملك خواص موجية ولكن النظرية الجسيمية أعيدت لها الحياة مع ذلك، بمعنى ما، في بداية القرن العشرين حين اقترح ألبرت أينشتاين أن الضوء يتألف من جسيمات منفصلة تدعى اليوم ا فوتونات 4. وعل كل حال، فإن الحوار في هذا قد لا ينتهي أبداً إلى نتيجة حامية، لأن الضوء يظهر كلا الطبيتين الجسيمية واتقوجية .




ويعد أن أعيد افتتاح كمبردج في عام 1667 الخب نيوتن عضواً في كلية ترينيتي ، ويعد ذلك بعامين تخل موجه نيوتن وناصحه إسحاق بارو عن مركزه موصياً بأن يكون نيوتن خلفاً له، فبدأً نيوتن بإلقاء محاضرات في البصريات درن أن يكون قد نشر بعد أي شيء عن اكتشافاته، ك{ تابع تجاربه في الضوء وصنع أول مقراب عاكس. وقد أثار هذا المقراب اهتاماً عظيماً لدى الجمعية الملكية أدى إلى انتخاب نيوتن عضواً في هذه الهيعة عام 1672. فشجع هذا الشرف نيوتن على تقديم نشرة علمية في البصريات لاقت هجوماً قاسياً من روبرت هوك Robert Hook ١الذي كان آنذاك رئيساً للجمعية الملكية ويعد نفسه خبيراً في البصريات« وقد أثارت طريقتة المتعالية في مراجعة النشرة غضب نيوتن الذي كان لا يستطيع تقبل أي نقد لعمله أو أي جدل مقيت. اوم يمض عام كامل على تقديم نيوتن لنشرته ، حتى ضاق ذرعاً بتبادل الآراء في المناقشات ، وأصابه من الضجر ما جعله يقطع صلاته ويعيش في عزلة فعلية .


أما خلافات نيوتن مع هوك وهويغنز في طبيعة الضوء فقد طغى عليها جدل دار حول اكتشاف حساب التفاضل والتكامل الذي بدأً في عام 1684 عندما نشر غ.و. ليينتز W.Von.Leibnitz بحثه عن هذا الموضوع ، وكان تأخر نيوتن في نشر بحثه عن هذا الحساب حتى عام 1704 هو السبب في اختلاط الأمر حول من له الحق في هذا الا كتشاف ، حتى إلى ما بعد ذلك التاريخ. وكان كل من الرجلين يبدي صداقته للاخر أمام الجمهور، ولكنه كان في الوقت نفسه يشجع مؤيديه على أن يستخفوا بعمل الآخر. ومن المرجح أن ليبنتز كان قد توصل إلى هذا الحساب بمعزل عن نيوتن، غير أنه من الثابت حالياً أن نيوتن كان قد بدأً بتطوير حساب التفاضل والتكامل حتى قبل أن يبدأً ليينتز بدراسة الرياضيات. ولكن النزاع بدأً يطرح على الصعيد القومي بين أناس لم يكونوا يعرفون أي شيء عن عمل كل من العالين ، ومع ذلك كانوا يجادلون بانفعال حول صاحب هذا الاكتشاف ، أهو إنكليزي أم ألماني. وم تنته هذه المشكلة إلى حل طيلة حياة نيوتن، ففي حين كان كثيرون من زملائه راغبين في تبرئته من تهمة الادعاء بسبب عدم توفر أي دليل (نظراً لشهرته العلمية الواسعة)، كان معظم علماء القارة الأوروبية (دون الجزر البريطانية) و رياضيوها يستخدمون رموز ليبنتز ومصطلحاته ، واستمر استخدامها إلى الآن، الأكثر ملاءمة .



ولقد حقق نيوتن أهم اكتشافاته في الضوء والرياضيات في أواسط الثمانينيات من القرن السابع عشر، ولكنه فيما عدا نشرات قليلة عن البصريات لم ينشر إلا القليل من أعماله ولا سيما قانونه في البقالة. حتى أن علاقاته المتوترة مع العديد من معاصريه في الجمعية الملكية، كانت تجعله بين حين وآخر يشمئز مر، "لعلم، ويتوجه باهتمامه إلى مواضيع أخرى كانت تحيره دائماً، كالدين والتأملات الصوفية بل إن أهم عمل له، المباد Principia كان من الممكن ألا يكتب بتاتاً، لولا دعوى ,خصمه القديم روبرت هوك بأن من الممكن تفسير حركات الكواكب بقانون التربيع العكسي للجاذبية، مع أن هوك كان غير قادر على إثبات نظريته، فما كان من إدموند هالي lleyةEdmond H، صديق نيوتن إلا أن طرح المسألة على نيوتن وسأله كيف يجب أن تتحرك الكواكب إذا كانت قوة التجاذب بينها وبين الشمس تتناقص متناسبة عكساً مع مربع أبعادها عن الشمس فأجاب نيوتن بأن الكواكب يجب أن تسير في مدارات إهليلجية (قطوع ناقصة). وحين سأله هالي بعدئذ، لماذا تعتقد بأنها تتحرك على هذا النحو، أجاب بأنه حسب مداراتها. ر وهكذا، كان طلب هالي من نيوتن أن يبرهن نظريته سباً في أن يبدأ نيوتن بتأليف كتاب يشرح فيه نظريته عن الجاذبية (الثقالة) ويشرح كذلك قوانين الحركة الثلاثة التي صاغها.


وقد أنجز نيوتن كتابه المخطوط في 18 شهراً، ثم نشره على نفقة هالي بعنوان (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية). ومع أن هذا الكتاب كان قد كتب على شكل سلسلة من البديهيات والبراهين المصاغة بكلمات مكثفة جداً، إلا أنه يظل أعظم ما كتب من الأعمال العلمية وأشدها تأثيراً على الإطلاق. فلقد أعطى صورة كون فرغ الإله من خلقه وتركه يجري وحده (دوغا عون جديد) وفقاً لجميع الحركات الديناميكية التي تخضع لقانون الجاذبية. واكتسب نيوتن بفضل كتابه المبادئ شهرة عالمية، وضمن به مكانة مرموقة لا مثيل لها في المجتمع العلمي: القد كان النظام النيوتني قائماً على مجموعة من الافتراضات القليلة والبسيطة المطورة وفق تفكير رياضي واضح وجذاب يكاد يصعب على المحافظين (الحذرين من التجديد) أن يكون لديهم العزم والجرأة لمحاربة ولكن نيوتن، الذي أصبح رمزاً حياً لعصر العقل، سرعان ما ضل عن طريق العلم، وبدأً يبذل جهوداً جهيدة لا طائل منها ، لكي يثبت كيف يمكن أن تتحول المعادن الخسيسة إلى ذهب ، وراح يكتب عن الكيمياء أسفاراً مطولة لم تكن لها، مع ذلك، أي قيمة أو نفع على الإطلاق. وقد، كتب نيوتن أيضاً، بوصفه موحداً مؤمناً احتفظ بمعتقداته الدينية لنفسه وكتمها كي يضمن بقاءه في عمله في كمبردج، أكثر من مليون كلمة يدي فيها تأملاته عن معاني آيات الكتاب المقدس الخفية، وبين أن عمر الأرض نحو 5000 سنة، اعتاداً على عدد الأجيال المذكورة في التوراة .

وقد عالى نيوتن عام 1692 من انهيار عصبي رجا كان ناشاً عن الإجهاد ليس إلا، ولكنه أجبره على ترك العمل ما يقرب من عامين على الرغم من أنه شفي من المرض تماماً. ومع ذلك، فقد توج بحوثه العلمية بخاتمة بارزة ، إذ أمضى بعض الوقت خلال العقدين التاليين وهو يجمع أدلة وقرائن عن نظريته في الضوء التي نشرت قبل أن تظهر بالعنوان المشهور البصريات Opticks عام 1704 بعقدين. وكان السبب في تأخر نشر الكتاب، هو أن نيوتن كان يرفض نشره قبل وفاة هوك عام 1703. وفي هذا العام انتخب نيوتن رئيساً للجمعية الملكية (خلفاً لهوك) وقد ظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. ك{ انتخب أيضاً عضواً في البران عام 1689، ولكنه لم يطلب الكلام طيلة السنوات العدة التي قضاها في عضويته إلا مرة واحدة عندما طلب إغلاق نافذة كانت مفتوحة •


وفي عام 1696 ، غين نيوتن مراقباً لدار سك النقود ، ويعد ذلك بثلاث سنوات تسلم منصب الرئيس الأعلى للدار. ومع أن نيوتن ظل محافظاً على انتسابه المهني إلى الجامعة حتى عام 1701، إلا أ تعيينه في الدار أنهى عملياً مهامه الأطدمية نظراً لانتقاله إلى لندن لتسلم واجباته الرسمية . ولقد حاول بعض المعلقين أن يثبتوا أن 'هذا التغيير في عمل نيوتن حرم العام العلمي أكبر شخصياته شموخاً لمدة تقرب من ربع قرن من حياته ، ولكن نيوتن نفسه، يبدو، كان لديه الاستعداد لأن يعيش خارج الجامعة، 6 كان راغباً في أن يتمتع بشهرته في دوامة لندن الاجتماعية . ثم إن هذا التعيين لم يكن مجرد شرف رمزي، لأن نيوتن بذل مجهوداً كبيراً لإنجاز مشروع السك الذي أعده اللورد هاليفاكس. وقد رفع نيوتن أيضاً إلى رتبة فاس من قبل الملكة آن في عام 1705 ، وكان هذا شرفاً يمنحه عالم من قبل قهل، { تلقى دخلاً ثابتاً من وجيه زائر، وأشرف على نشر كتابه



البصريات Opticks طبعتين متتاليتين لكتابه المبادئ{ Principia. ولقد أمضى السنوات الأخيرة من حياته وهو ينعم بتزلف الجماهير إليه والتقرب منه وقد استمر ذلك حتى وفاته ، وكان له من العمر 84 عاماً. »وعندما توفي في عام 1727 منح الشرف الأعظم بأن مجيء جثمانه في نعش مكشوف في قاعة القدس. وقد حمل نعشه اللورد قاضي القضاة ، واثنان بلقب دوق ، وثلاثة بلقب إيرل، وكان هذا يعني شيعاً ذا شأن في تلك الأيام ثم إن المكان الذي خصص لنصبه التذكاري كان قد منع سابقاً عن أعظم إشرافنا. لقد كانت فرصة عظيمة فهي أول وآخر مرة يمنح فيها رجل من رجال العلم شرفاً قومياً كهذا، بل إني اعتقد أن هذا الشرف لم يمنحه أحد في عالم الفكر أو التعلم أو الفن في إنكلترا،».


لقد خلف نيوتن للعلم الحديث إرثاً لم يضارعه سوى عمل ألبرت أينشتاين . بل إن هناك من يحاول أن يبت أن أفكار نيوتن كانت في زمانها أكثر ثورية مما هي عليه أفكار أينشتاين في أيام حياته. على أن الأمر المهم هو أن كلا الرجلين حقق أعماله العلمية الأساسية وهو في العشرينيات من عمره، بل وفي مدة قصيرة نسبياً. ولا بد لكي يتضح بوجه الاجال كيف غير عمل نيوتن العلم الحديث وكيف بدل مفاهيمه عن المكان والزمان والحركة ، علينا أن نبدأً عندما عاد نيوتن، وهو طالب في كامبردج ، إلى منزله في وولثورب، حيث توصل إلى سلسلة من الاكتشافات في الرياضيات والفيزياء، التي أصبحت بعد ذلك أساس الفيزياء الحديثة. فهو يقول في ختام روايته لقصة اكتشافاته المتنوعة التي تضمنت حساب التفاضل والتكامل وقانون الثقالة نظريته الجسيمية في الضوء، »كان ذلك كله في عام 1665 و1666 لأني في هاتين السنتين كنت في أزهى أيام العمر التي م أعش مثلها أبداً إلماماً وحدساً وميلاً للرياضيات والفلسفة ،". على أن نيوتن لم يناقش قوانين الحركة في عرضه هذا لإنجازاته المبكرة ، ولكن يتضح من مناقشته تأثير الثقالة الأرضية في القمر، أنه فهم حتماً هذه القوانين فهماً كاملاً، وأنه صاغها في هذا الوقت المبكر.





وكان غاليليو فعلاً قد أرى سابقاً أساس الميكانيك لدى دراسته للحركة، اشتد على أهمية التسارع، إلا أن نيوتن هو الذي كان عليه أن ينص على قوانين الحركة الثلاثة ليشيد عليها علم الميكانيك بصفته علماً واضحاً دقيقاً. فساءت هذه القوانين في شهرة نيوتن مثلما ساهم فيها قانون الثقالة. ولأن حاجة للمغالاة في التأكيد على أهمية هذه القوانين فقد رفعت الميكانيك من علم شبه اختباري حسي وشبه رياضي، إلى فرع رياضي كامل دقيق دقة الهندسة . ولكن ، قبل أن نبدأ بتحليل هذه القوانين وإظهار قدرا الاستباقية (التنبؤية) العظيمة، علينا أن نعرف العبارة : ا قانون طبيعي •


إن العلم ليس مجرد تجميع لمعلومات مشاهدة، ولو كان كذلك، دونما محاولة لتنظم هذه المعلومات في بنية عقلية ذات مدلول ترتبط فيها الأجزاء المنفصلة بعضها مع بعض بطريقة محددة واضحة ، لما استهوى هذا العلم عقلنا المحب للمعرفة والاستقصاء. بل إن العلم يتضمن أيضاً ما يدفع إلى اكتشاف العلاقات السببية بين الجزيئات الفردية في المعلومات التي نطلع عليها باستمرار، في أثناء مشاهدتنا العالم المحيط بنا، لذلك لا يمكن أن يكون العلم أبداً مجرد تجميع عشواي للمعلومات. إننا نتعرض باستمرار لسيل من المعلومات الذي يجري مارا بمعظم الناس من دون أن يثير فضولهم أو رغبتهم في معرفة معنى هذه المعلومات أو كيف يمكن أن تفهم بدلالة علاقات أساسية متبادلة تتحكم بجميع الظواهر . إن العلماء هم ممن يثير هذا السيل من المعلومات ، والفيزيائيين منهم هم الذين يبحثون عن تفسير لها أو إيجاد القوانين الطبيعية الأساسية -ا سندعوها أي أنهم يسعون إلى توجيه جريان هذا السيل .


ولكي نكون أكثر دقة في حديثنا عن طبيعة قانون ما، علينا أولا أن نعزف الحادث الذي يمكننا أن نقبل به على أنه أبسط ظاهرة يمكن أن تحدث . ويتطلب هذا منا أولا إدخال المفهوم المثالي المجرد وهو والجسم النقطي ، (الذي هو جزء صغير من المادة له ماهيتها التي ستعرف فيما بعد ولكن لا أبعاد له). والجسم النقطي، ا هو واضح، لا يمكن أن يكون له وجود فعل ، ولكنه يفيدنا في متابعتنا الفكرية لفهم طبيعة الحادث الذي نستطيع أن نعرفه الآن عل أنه انطباق جسم نقطي على نقطة معينة من الفضاء في زمن معين وهنا نلاحظ أيضاً أننا أدخلنا مفاهم غير معرفة تعريفاً جيدا مثل نقطة من الفضاء٢ و» في زمن معين « ولكننا لن نسبر معانيها إلى أبعد من ذلك في هذه المرحلة من قصتنا.


ثم إن المفاهيم التي تدخل في قوانين الفيزياء -ا سنرى ليست كلها معرفة، ولكن الفيزيائي يدخل، عند صياغته للقوانين الطبيعية ، أقل عدد ممكن من المفاهيم غير المعرفة ، فيبني قانونه على هذه اللامعرفات بصفتها قاعدة للبناء. ولكن الفيزيائي ، على كل حال، لا يستخدم هذه المفاهيم ولا يتعامل معها، على الرغم من أنها غير معروفة إلا إذا استطاع أن يجد طريقة عملية لقياسها ، بحيث يحل القياس محل التعريف .


والآن، لنعد بعد أن أدركنا هذا ، إلى العلاقة بين ١الحادث ، والقانون ٢ ولننظر في سلسلة من الحوادث التي اقترنت بجسيم معين : إن هذا الجسم سيحدد دائماً سلسلة من الحوادث على مر الزمن، حتى وإن ظل ثابتاً بالنسبة لنا بصفتنا مراقبين وواضعي قوانين، ذلك لأن باستطاعتنا أن ننسب إليه سلسلة من الأزمنة المختلفة التي ينطبق فيها على نقطة ثابتة من الفضاء، غير أن هذه الحالة الخاصة من »سلسلة الحوادث« لا تفيد في اكتشاف أي قانون ، لذلك دعونا نفرض أن الجسم يتحرك من نقطة إلى أخرى ، لنصل جميع هذه النقاط أو الحوادث) بمنحن من نوع ما. نسميه و مدار ، الجسم أو»مساره«. ويمكن إذن تعريف القانون ، بأنه تعبير عام نستطيع أن نحدد به مسار جسيم كهذا في جميع الظروف. لنأخذ مثالا بسيطاً على ذلك، مسار جسم أطلق في الهواء :


إلى مفهوم الزمان. إن ما يلفت النظر في المكان أمران في وقت واحد: امتداد المكان الذي يرتبط بالمسافات بين الحوادث، ثم الاتجاهات في المكان وهي ترتبط باتجاهات الحوادث بدءاً من نقطة إرجاع (إسناد) معينة. وما كنا غير قادرين على تعريف المكان بدلالة كيانات أبسط منه فإننا نقبل به على أنه أحد العناصر الأساسية غير المعرفة ، ثم ننتقل إلى وصف طريقة قياسه. إن هذا القياس ، الذي يحل على التعريف ، هو ما نعنيه عندما نتحدث عن المسافة بين حادثين ، وتقوم عملية القياس على استخدام وحدة للأطوال (مثل السنتيمتر أو القدم أو الميل والكيلومتر) ووضعها على طول الخط المستقيم الواصل بين الحادثين . والأمر الهام في هذه العملية هو اشتراط استقامة الخط، إذ لا يكون لها معنى إلا إذا غرفت هندسة المكان . وما كانت الهندسة الوحيدة المعروفة في أيام نيوتن هي الهندسة الإقليدية، فإننا نتابع في الوقت الراهن افتراض أن المكان إقليدي أو منبسط وأن الخط المستقيم الواصل بين حادثين هو بساطة أقصر مسافة بين الحادثين بالمعنى المألوف لهذه الجملة . ونعني بالهندسة الإقليدية، مجموعة البديهيات الإقليدية الأساسية ومعها كل النظريات الهندسية التي يمكن استنتاجها من هذه البديهيات ، ونخص بالذكر منها هنا تلك التي تسمى بديهية المتوازيات التي تنص على أنه إذا كان ثمة خط مستقم ونقطة خارجة عنه ، فإنه لا يمكن إنشاء سوى مستقيم واحد يمر هذه النقطة ويوازي المستقيم المفروض. ويكن أن يستنتج من هذه البديهية بسهولة أن مجموع زوايا المثلث °180 درجة وأن محيط الدائرة يساوي T مرة من قطرها . غير أنه يتبين للمرء مما سبق ، بالسهولة نفسها، أنه لا يستطيع أبدأً أن يبرهن بطريقة قياس زوايا مثلثات أو محيطات دوائر ، أن هندسة إقليدس تصف فضاءنا وصفاً صحيحاً. وهذا أمر سنعود إليه عندما ننظر في أنواع الهندسة التي يمكن أن تسيطر في الفضاء فيما لو استبعدت بداية المتوازيات لإقليدس، إلا أننا نقبل حالياً هندسة إقليدس ونتصور أن جميع الحوادث في كوننا (الكون النيوتني، في دراستنا الأن) يرتبط بعضها ببعض بخطوط مستقيمة يمكن أن ننسب إلى كل منها عدداً معيناً (هو قياس طوله) .



على أن هذا التنظيم الهندسي لعدد كبير من الحوادث ، ليس له معنى إلا في لحظة خاصة (أو صورة آنية) لا شيء يتحرك أثناءها. ولكن المسافات بينها كلها تتغير فعلاً، من لحظة إلى أخرى. وما أن هذه المسافات تراوح في أي لحظة من المسافات الممعنة في الصغر (المسافات الفاصلة مثلاً بين النيترونات و البروتونات في نواة ذرية) إلى المسافات الفلكية (المسافات بين المجرات) ؟ وللمرء إذاً أن يتساءل : هل يعقل أن يكون لهذه المسافات كلها معنى هندمي واحد مع كل هذا التباين الهائل بينها؟. إنه فعلاً سؤال مهم ومشروع، لأن عملية استخدام وحدة القياس مباشرة للحصول على المسافة، ليست قابلة للتطبيق إلا في حالة المسافات التي في متناولنا، ولكنها لا تطبق على المسافات النووية أو الذرية أو الكونية الفلكية ؟ لذلك لا بد للحصول على هذه المسافات من اتباع طريقة غير مباشرة، وسوف نعالج هذه النقطة بالتفصيل فيما بعد ، ولكننا نكتفي هنا بمناقشة موجزة لعملية قياس المسافات الذرية والفلكية، كي نظهر المشاكل التي تنشاً عن تسميتنا لهذه الأنواع المختلفة كلها من العمليات بالاسم »قياس« مسافات .


وللحصول على المسافات الذرية نلجاً إلى سبر المادة باستعمال جسيمات ذرية أو دون الذرية (الكترونات أو بروتونات أو نيوترونات) تكون عالية السرعة، أو باستعمال إشعاعات عالية الطاقة (أشعة سينية أو أشعة غاما)، ثم نلاحظ كيف تتبعثر الجسيمات حين تتفاعل مع الذرات أو مع النوى. فإذا استخدمنا قوانين التفاعلات المسلم بها فيما بين الجسيمات الذرية ودون الذرية ، فإننا نتعرف هندسة الذرات ، ونتعرف بالتالي أبعادها. إن هذه العملية هي أشبه ما تكون بعملية مقارنة بين أبعاد الجسيمات السابرة وأبعاد الذرات أو النوى التي أريد سبرها، ونحن نفعل الشيء نفسه أساساً عندما نسبر بنية مادية بالإشعاع ، إذ نستخدم عندئذ طول موجة الإشعاع (أي المسافة بين قمتين متتاليتين من موجة الإشعاع) على أنه هو وحده الطول ، ونتصور الموجة كأنها وضعت على امتداد أبعاد البنية التي نريد سبرها .





أما المسافات الفلكية، فنقيسها بطريقة مباشرة تقريياً بأن نلاحظ التغير الظاهري في وضع النجم المعني عندما تتحرك الأرض مثلاً، من أحد طرفي مدارها إلى الطرف الآخر في أثناء دورانها حول الشمس (وهذه هي طريقة اختلاف المنظر). غير أن هذه الطريقة لا يمكن تطبيقها إلا على النجوم القريبة (ضمن حد لا يتجاوز بضع مئات من السنوات الضوئية) وأما الأجرام السماوية البعيدة جداً، فيمكن الحصول على أبعادها باستخدام طرائق غير مباشرة تعتمد على تألقها الظاهري. وهكذا يتضح من هذه الدراسة المختصرة لقياس المسافات الذرية والفلكية مدى البون الشاسع بين تقنياتها وبين العملية البسيطة القائمة على استخدام وحدة القياس على امتداد الخط والتي هي أساس عملية قياس المسافات .


ومن الواضح جداً أن قياس بعد حادث ما عنا لا يكفي وحده لوصف معاله المكانية ، بل لا بعد من تحديد اتجاهه أيضاً، لذلك لا بد لنا عندما ننظر في تشكيلات الحوادث الفضائية، من أن نأخذ في الحسبان جانب الاتجاه، مثلما أخذنا جانب الامتداد. ذلك لأن المكان متعدد الأبعاد، فهو في الواقع لا نعلم، ثلاثي الأبعاد. فيا ترى ما الذي يعنيه هذا القول بالتحديد وكيف نعين أبعاد المكان ؟.


وللإجابة عن هذا التساؤل ، نبدأ بتعيين اتجاه خاص هو مستقيم نتخيله ممتدا من عندنا إلى نجم ما، ثم نرسم مستقيماً آخر يمر بموضعنا ويصنع زاوية قائمة مع المستوى الأول. وهنا نلاحظ أن هذين المستقيمين يعينان (أو يمتد فوقهما) مستو. إن أي مستقم آخر (أو اتجاه) مرسوم في هذا المستوى يمكن أن يعبر عنه بأنه واقع جزئياً على اتجاه المستقيم الأول رأي المستقيم المتجه إلى النجم، ويقع بجزئه الآخر على اتجاه المستقيم الثاني ، لذلك نقول عن أي مستو في الفضاء أنه ثنائي الأبعاد، أو أنه يحوي اتجاهين مستقلين فقط، أو بعبارة أخرى : إذا كان لدينا مستقم في المستوى ونقطة عليه، فإنه لا يوجد سوى مستقيم واحد يمكن رتمه في المستوي ماراً هذه النقطة ومتعامداً مع المستقيم الأول. ولكن ما زلنا نستطيع أن نرسم مستقيماً شالناً عمودياً على هذا المستوى، فيكون بالتالي عمودياً على المستقيمين الأوليين، فهذا المستقيم الثالث يحدد اتجاهاً ثالثاً مستقلاً رعن الاتجاهين السابقين) في الفضاء. وهكذا فإن الفضاء ثلاثي الأبعاد، لأن أي مستقيم آخر مرسوم في الفضاء يمكن أن نتصوره واقعاً جزئياً على اتجاه كل من المستقيمات الثلاثة المتعامدة مشنى مشنى .


إن تعددية أبعاد المكان تدفعنا لأ نفرق بين مجموعة من الكيانات الفيزيائية الأساسية التي تتعين كلياً بمقاديرها بدون أن يكون لها أي صفة مكانية (أو ليس لها سمات الاتجاه الفضاني)، منها مثلاً الزمن والكتلة ودرجة الحرارة، وبين مجموعة أخرى من الكيانات، التي هي من قبيل الانزياحات ، لها سمات الاتجاه إضافة إلى سمة المقدار. لذلك نقول عن كيانات المجموعة الأولى إنها »سلمية«، وعن كيانات المجموعة الثانية إنها و متجهات«. فالسلمي يكتمل وصفه بمقداره ، في حين لا يكتمل وصف »المتجه« إلا باتجاهه ومقداره معاً .


ولقد بحثنا عند دراستنا السابقة لمفهوم المسافة بين حادثين ، في مقدار هذه المسافة وم نبحث في الاتجاهات ، ولكن ذكرنا منذ قليل أن وصف حادث ما، لا يكتمل إلا بإعطاء الصفتين معاً.: اتجاهه ويعده عنا. فأما بعده ، فقد رأينا أيضاً منذ قليل أنه يمكن قياسه بأن نتحرك نحو الحادث على طول خط مستقيم وأن نعد عدد وحدات الطول التي تحويها المسافة إلى الحادث ، من وحدة الطول . ولكن كيف نقيس الاتجاه ؟ هنا ندخل مفهوم الزاوية ، فهي قياس مقدار دوراننا عندما نغير وجهتنا من اتجاه إلى آخر.


ولإعطاء صورة أوضح وأدق عن ذلك، دعونا نختر اتجاهاً في الفضاء (وليكن مثلاً خطاً تخيلياً يمتد، 6 سبق وصفه ، من عندنا إلى نجم معين). ثم لنبدأ بالدوران (دون أن نتحرك مع ذلك من موضوعنا) منحرفين عن هذا الاتجاه . إن الاتجاه الذي نواجهه، يتغير حالما ندور. وإذا تابعنا الدوران إلى أن نواجه الاتجاه الأزل، فإننا نقول أننا قمنا بدورة كاملة ، وتخصص الدورة الكاملة 360 وحدة دوران، تدعى كل وحدة منها درجة واحدة. إن الزاوية المشكلة من مستقيمين متقاطعين متجهين في اتجاهين مختلفين ، هي قياس مقدار الدوران الذي يجب أن نقوم به لكي نحول خط نظرنا من أحد المستقيمين إلى الأخر. فكما أن المسافة تعطي عدد الخطوات التي يجب أن نخطوها من نقطة من الفضاء إلى نقطة أخرى فكذلك الزاوية ، هي المقدار الذي يجب أن ندوره لكي نغير وجهتنا من اتجاه إلى آخر. المسافة مقدار والزاوية تعين الاتجاه ، فلكي معين أي متجه تعيناً 6ملاذً يجب أن تدخل الزاوية في هذا الثعابين .


ويمكن أن نعبر عن الزاوية بأي وحدة نشاء مثلما يمكن أن تعين المساقة (بالميل مثلاً أو بالسنتيمتر أو بالقدم)، وهكذا نقسم الدرجة إلى 60 قسماً متساوياً (يسمى كل منها دقيقة)



ونقسم الدقيقة أيضاً إلى 60 قسماً متساوياً يسمى كل منها ثانية. ولكن، ثمة وحدة أخرى مهمة للزوايا يستعملها الفيزيائيون الفلكيون والرياضيون وتدعى » راديان«. وقد يكون فهمها أوضح إذا تصورة أنفسكم واقفين في مركز دائرة وأن جسيماً يتحرك على محيطها ، و أنكم تتابعون الجسم بنظرهم إلى أن يقطع على طول المحيط، بدءاً من اللحظة التي بدأتم فيها متابعة حركته ، مسافة تساوي نصف قطر الدائرة، فمقدار الدوران الذي قمتم به، أي الزاوية التي طرقوها، يعرف بأنه يساوي رادياناً واحداً. وعل هذا فإن الدورة الكاملة، أي 360 درجة تعادل 2r رادياناً، ذلك لأن طول محيط الدائرة يساوي 27 مرة نصف قطرها ، فالراديان يساوي تقريباً 57 درجة.


ولما كان الدوران أو الالتفاف يتم حول محور خاص به، وهذا المحور يعين اتجاهاً في الفضاء، فالدوران هو كمية متجهة تتعين تعييناً كاملاً باتجاه رهو اتجاه محور الدوران)، وبمقدار (هو زاوية الدوران)، أي أن الزاوية بالنسبة إلى الدوران كالمسافة بالنسبة إلى الإزاحة.


ونستطيع أن نتوصل من مفهوم المسافة إلى كميتين جديدتين هما المساحة والحجم فالمساحة تعرف على أنها جداء مسافتين بينهما زاوية قائمة ، ويعبر عنها بوحدات المسافة المربعة ، فإذا كانت إحدى المسافتين 4 سنتيمترات والمسافة المتعامدة معها 5 سنتيمترات كانت المساحة المعرفة بهما 20 سنتيمتراً مريعاً، وتكتب عادة 20 سم%. وما كان بالإمكان توجيه المساحة المستوية في أي اتجاه في الفضاء فهي إذاً متجه، ولهذا المتجه اتجاه المستقيم العمودي على المساحة ، ويتعين مقداره بالقيمة العددية للمساحة (أي عدد وحدات المسافة المربعة التي تحتوها). ومن الأمثلة الهامة على المساحات : المثلث (لا جداء القاعدة في الارتفاع)، والمستطيل (جداء ضلعيه المتعامدتين) ومتوازي الأضلاع (جداء قاعدته في ارتفاعه)، والدائرة التي نصف قطرها r (٦72)، والكرة التي نصف قطرها r 4٨٦2، حيث ٦ هي حاصل قسمة محيط دائرة ما عل قطرها، وتساوي تقرياً 3.14159265.


وأما الحجم فيعرف عل أنه جداء ثلاث (مسافات ) اتجاهاتها متعامدة مثنى مثنى، ويعبر عنه بمسافة مكعبة. و السنتيمتر المكعب هو حجم وحدة مكعبة (أي مكعب طول كل حرف من حروفه سنتيمتر واحد). وحجم غرفة ، هو جداء طولها في عرضها في ارتفاعها، ويعبر عنه بقدم مكعبة فيما لو قيست أبعاد الغرفة بالقدم ، وحجم كرة نصف قطرها r هو ٩7 (، وما كانت القيمة ٦ قريبة جداً من 3، فإن حجم كرة ماهو أربعة أمثال حجم مكعب طول حرفه يساوى نصف قطر الكرة. إن حجم الكرة الأرضية يساوي تقرياً 256 مليار ميل مكعب، وقد اكتشف الإنسان نحو جزء من عشرة آلاف من هذا الحجم واستغله. وبلغ حجم الأرض نحو 64 مرة حجم القمر، ويبلغ حجم المشتري نحو 10 مرة حجم الأرض ، أما حجم الشمس فيساوي نحو 1000 مرة حجم المشتري .